24.45°القدس
24.21°رام الله
23.3°الخليل
21.92°غزة
24.45° القدس
رام الله24.21°
الخليل23.3°
غزة21.92°
الجمعة 24 ابريل 2026
4.02جنيه إسترليني
4.21دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.49يورو
2.99دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.02
دينار أردني4.21
جنيه مصري0.06
يورو3.49
دولار أمريكي2.99
اسماعيل الريماوي

اسماعيل الريماوي

الانتخابات المحلية في فلسطين… ديمقراطية بلا منافسة أم شرعية مُصنَّعة؟

في المشهد الفلسطيني الراهن، لم تعد الانتخابات المحلية مجرد استحقاق ديمقراطي دوري، بل تحولت إلى مرآة صادقة تعكس عمق الأزمة التي يعيشها النظام السياسي بكل مكوناته، ما يجري على الأرض اليوم يتجاوز كونه تنافساً انتخابياً، ليكشف عن اختلالات بنيوية تضرب فكرة التمثيل الشعبي في جوهرها، وتعيد تعريف العملية الانتخابية بوصفها أداة لإعادة إنتاج الواقع القائم، لا تغييره.

حين تُحسم الانتخابات بالتزكية نتيجة انسحاب بعض القوائم أو دفعها إلى الانسحاب، فإننا لا نكون أمام ديمقراطية حتى وإن اكتملت الشكليات القانونية، التزكية في سياق كهذا ليست تعبيراً عن توافق وطني، بل نتيجة بيئة سياسية مختلة، يشعر فيها الفاعلون أن الدخول في المنافسة محكوم بنتائج مسبقة، أو بتكلفة سياسية وتنظيمية لا يمكن تحملها، وهنا تتحول صناديق الاقتراع إلى مجرد تفصيل شكلي، في مشهد محسوم قبل أن يبدأ.

الأخطر من ذلك، أن هذه الانتخابات، بدل أن تكون ساحة لتعددية سياسية حقيقية، باتت محصورة عملياً داخل إطار واحد، حيث يغيب حضور الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة، ويقتصر التنافس على أجنحة داخل الحركة الحاكمة نفسها، هذا الانغلاق يحرم المجتمع من خيارات سياسية متنوعة، ويُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها كأداة لتداول السلطة، ليجعلها أقرب إلى إدارة صراع داخلي على النفوذ والمواقع.

في موازاة ذلك، يبرز عامل آخر يزيد المشهد تعقيداً، وهو دخول شخصيات مرتبطة بالأجهزة الأمنية أو متهمة بالفساد إلى قوائم الترشح، هذا التداخل بين السلطة التنفيذية والمجال المدني لا يمكن فصله عن أزمة الحوكمة الأوسع، حيث تختلط الحدود بين من يُفترض أن يراقب ومن يُفترض أن يُراقَب، ومع غياب المساءلة الحقيقية، يصبح ترشح هذه الشخصيات مؤشراً على اختلال موازين العدالة، لا على حيوية الحياة السياسية.

ولا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي الذي يفرض نفسه بقوة، حيث تطغى الاعتبارات العشائرية والعائلية على حساب البرامج السياسية والرؤى الوطنية، في ظل غياب الأحزاب، تتحول الانتخابات إلى ساحة تنافس بين العائلات الكبرى، وتُختزل السياسة في شبكة علاقات اجتماعية ضيقة، تعيد إنتاج الانقسام المجتمعي بدلاً من تجاوزه.

أما الحديث عن تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل السلطة لرفع مرشحين وإقصاء آخرين، فهو إن صحّ، يضرب ما تبقى من ثقة الجمهور الذي هي مفقودة اصلا، إذ كيف يمكن الحديث عن انتخابات نزيهة في ظل شعور عام بأن قواعد اللعبة لا تُحترم، وأن الفرص ليست متكافئة؟ في هذه الحالة، لا تكون النتائج تعبيراً عن إرادة الناخبين، بل عن موازين القوة داخل النظام.

تزداد الصورة تعقيداً مع الشروط المفروضة على القوائم، والتي يُنظر إليها من قبل كثيرين كقيود سياسية تحد من حرية الترشح، خاصة إذا ارتبطت بمواقف سياسية حساسة مثل الاعتراف بإسرائيل، هذه الشروط، سواء فُرضت ضمن إطار قانوني أو سياسي، تفتح باباً واسعاً للنقاش حول حدود التعددية، ومدى قدرة النظام السياسي على استيعاب التنوع في الرأي والموقف.

في المحصلة، تبدو الانتخابات المحلية في فلسطين اليوم أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى مخرج لها، فهي لا تعكس حيوية ديمقراطية بقدر ما تكشف عن حالة انسداد سياسي، تتراجع فيها الثقة، وتضيق فيها مساحة المشاركة، وتُختزل فيها السياسة في صراعات داخلية وعلاقات ضيقة، والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يمكن لعملية انتخابية تجري في ظل هذه الشروط أن تنتج تمثيلاً حقيقياً؟ أم أنها مجرد محاولة لإضفاء شرعية شكلية على واقع يحتاج إلى مراجعة شاملة وجذرية؟

في النهاية، لا يمكن قراءة هذه الانتخابات بمعزل عن السياق السياسي الذي وُلدت فيه، ولا عن الشروط التي أحاطت بها من تدخلات وإقصاءات وقيود مفروضة على الترشح والمشاركة، ما يجري لا يبدو كعملية ديمقراطية تسعى إلى تجديد الشرعيات، بل كإجراء شكلي يُراد له أن يمنح غطاءً قانونياً لواقع سياسي مأزوم، حين تُدار الانتخابات بمراسيم مجحفة، وتُضبط نتائجها عبر هندسة مسبقة للمشهد، فإنها تفقد معناها كأداة تعبير عن الإرادة الشعبية، وتتحول إلى وسيلة لإعادة تدوير السلطة نفسها.

بهذا المعنى، تبدو هذه الانتخابات أقرب إلى محاولة لإضفاء شرعية على سلطة تعاني أصلاً من أزمة شرعية عميقة، أكثر من كونها استجابة حقيقية لمطالب الناس بالمشاركة والمحاسبة، وما لم يُعاد الاعتبار لأسس العملية الديمقراطية من حرية وتعددية وتكافؤ فرص، ستبقى هذه الاستحقاقات مجرد واجهة شكلية، تخفي خلفها واقعاً سياسياً، تتسع  فيه الفجوة بين السلطة والمجتمع بدل أن يضيق.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن