24.45°القدس
24.21°رام الله
23.3°الخليل
21.92°غزة
24.45° القدس
رام الله24.21°
الخليل23.3°
غزة21.92°
الجمعة 24 ابريل 2026
4.02جنيه إسترليني
4.21دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.49يورو
2.99دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.02
دينار أردني4.21
جنيه مصري0.06
يورو3.49
دولار أمريكي2.99
غازي دحمان

غازي دحمان

هل نصبح شركاء في تأسيس مشروع إسرائيل الكبرى؟

تكاد الحرب التي تخوضها إسرائيل، على أكثر من جبهة في المشرق العربي، من أخطر أنواع الحروب التي واجهتها شعوب المنطقة، فهي حرب بطبقات استراتيجية متعدّدة، تبدأ بإخضاع الخصم وقتل أي إمكانية للمقاومة، وتتدرج إلى تقسيم الدول لضمان الاستيلاء على أكبر قدر من الأراضي، التي باتت في الاستراتيجية الصهيونية هدفا أمنيا واقتصاديا، في ظل عودة التفكير بإحياء مشروع إسرائيل الكبرى، وفي سياق صراع المشاريع الجيوسياسية العالمية التي أعادت للجغرافيا دورها الكبير في تحديد مكانة الدول وموقعها في التراتبية الدولية، بما يوازي دور التكنلوجيا أو يفوقها أحيانا في هذا المجال.

استثمرت إسرائيل التطورات التي شهدتها المنطقة في العامين الأخيرين لتطوير استراتيجيتها الجديدة، مستفيدة من التغيرات الحاصلة في البيئة المحيطة بها، والتي شهدت انهيار التوازنات وضعف الردع الذي كان يعمل الى حد ما، مقابل فائض القوة الذي بات لدى إسرائيل، ما دفع حكومة الكيان إلى اتباع استراتيجية القضم الاستراتيجي للمناطق المجاورة، في غزة ولبنان وسوريا، وترسيم مناطق عازلة مدعومة بقوة نيرانية وإمداد لوجستي وأنساق عسكرية. واقع أمني جديد ودائم، أو بهدف استخدامه ورقة تفاوضية لفرض ترتيبات أمنية مستقبلية في مناطق الجوار، لكن إسرائيل على الأرجح تذهب إلى إقامة دائمة في هذه المناطق، وسلوكها في قضم الضفة الغربية يؤشر على ذلك وقد تجلى ذلك عبر الخط الأصفر في لبنان وغزة، والمنطقة العازلة في جنوب سوريا، وذلك بهدف تثبيت واقع أمني جديد ودائم، أو بهدف استخدامه ورقة تفاوضية لفرض ترتيبات أمنية مستقبلية في مناطق الجوار، لكن إسرائيل على الأرجح تذهب إلى إقامة دائمة في هذه المناطق، وسلوكها في قضم الضفة الغربية يؤشر على ذلك.

ولعل أبرز ركائز الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على جعل خطوط التماس في عمق أراضي العدو عبر السيطرة على المناطق الحاكمة في الجغرافية المستهدفة، في غزة وجنوبي لبنان وسوريا، لمنع إعادة، أو إمكانية، تشكيل بيئة قتالية ضد قواتها، ومحاولة ترسيخ معادلات أمنية بقوة النار، ما يتيح لها مساحة أمان وهامش حركة مستقبليا لجعل هذه المناطق الواقعة تحت سيطرتها مشاريع استيطان مستقبلية، ولا سيما أن غالبيتها تشكّل في الاعتقاد الصهيوني كنوزا ثمينة، لما تحتويه من أراض خصبة ومياه وافرة، ولا سيما في جنوبي لبنان وسوريا.

لكن، يكشف التدقيق في خرائط السيطرة الإسرائيلية الجديدة، عما هو أبعد من مشروع استيطاني خام، إلى صناعة جغرافيا مؤثرة في قلب منطقة الشرق الأوسط، فليس صدفة أن ترسّم إسرائيل ما يسمى بالمناطق الأمنة في دول الجوار، على مساحة جغرافية تمتد من البحر المتوسط في جنوب لبنان إلى الحدود الأردنية، بعد ضم مناطق عملياتها في الجولان والجنوب السوري، والتركيز على جبل الشيخ بكل قممه وحوافه، لما له من سيطرة نارية على المساحة الأكبر من بلاد الشام، كما ليس صدفة العودة الإسرائيلية الكثيفة للحدود المصرية عبر غزة، ذلك يعني تهديد لنصف الشرق الأوسط عبر إعادة هندسة الحدود الإقليمية وصنع شبكات عسكرية ذات طابع هجومي في هذه المناطق.

ما يحدث هو مقدمة طبيعية لتأسيس مشروع إسرائيل الكبرى، والشغل على بينته الأساسية، بعد أن نجح نتنياهو في إخراجه من المربع الأيديولوجي إلى مجال الأمن القومي الإسرائيلي، عبر العمل على تفصيلاته التنفيذية القائمة على المناطق العازلة، كمرحلة أولى، ومن ثم العمل على توسيعها بذريعة ملاحقة المخاطر ودرئها، في عملية ليس لها سقوف ولا نهايات، في ظل ترسخ قناعة لدى المؤسسة العسكرية والنخبة الإسرائيلية الحاكمة بأن السيطرة على الأرض هي الضمانة الوحيدة لإسرائيل، وفرض شكل ونمط السلام مع المحيط العربي.

مشكلة في الأمر أن استراتيجية إسرائيل تلاقي صدى لدى بعض الأطراف المحلية في المشرق العربي، لدرجة أن بعضهم أعلن نفسه سلفا أنه جزء من المشروع الصهيوني في المنطقة ومستعد لحمل السلاح للدفاع عن إسرائيل ومشروعها

ويبدو أن إسرائيل، بعد اطمئنانها على قدراتها العملانية التي تتفوق على أي قوّة منفردة في المنطقة، تُسارع إلى الولوج في مراحل متقدمة من الخطة، من خلال تفتيت المجتمعات المحيطة إما عبر ترسيخ قناعات نخبها بعبثية الصراع مع إسرائيل ومقاومتها، وبالتالي دفعها للاحتراب الداخلي لمنع حصول مقاومة ضد إسرائيل، باعتبار أن تلك المقاومات لا جدوى منها وتكاليفها مدمرة على المجتمعات المحيطة، أو عبر إقناع شرائح من تلك المجتمعات بأن الارتباط بالمشروع الإسرائيلي سيدر عليها عوائد مستقبلية لا يمكن الحصول عليها في ظل استمرار ارتباطها بكياناتها السابقة. والمشكلة في الأمر أن استراتيجية إسرائيل تلاقي صدى لدى بعض الأطراف المحلية في المشرق العربي، لدرجة أن بعضهم أعلن نفسه سلفا أنه جزء من المشروع الصهيوني في المنطقة ومستعد لحمل السلاح للدفاع عن إسرائيل ومشروعها.

والحال، أن إسرائيل تنشئ مشروعها الكبير تحت سمعنا وبصرنا، ونراقب تطورات هذا المشروع، نعد ضحايانا، ونتحسر على جسدنا في المشرق العربي الذي تمزقه إسرائيل قطعة وراء قطعة، من نابلس إلى بنت جبيل إلى القنيطرة، لكننا نتلهى بصراعاتنا الصغيرة، وربما، وبسبب افتقادنا لمشروعات وطنية وقومية واضحة، وغرقنا في الكآبة من حاضر لا أفق له، بتنا ننتظر قطار إسرائيل الكبرى ليعبر فينا إلى محطات تعدنا بمستقبل أفضل بعد أن عجزنا عن صناعته.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن