أجرت منظمة "يوريست"، المعنية بقضايا سيادة القانون حول العالم، مقابلة مطولة مع محامي القيادي الفلسطيني الأسير مروان البرغوثي، بن مرماريلي، المعروف بمواقفه المناهضة للصهيونية، تناولت أوضاع موكله داخل السجن، واستمرار حضوره السياسي رغم أكثر من عقدين من الاعتقال.
وفي تقديمها للمقابلة، تؤكد "يوريست" أن البرغوثي، المعتقل منذ عام 2002 خلال الانتفاضة الثانية، لا يزال يُعد أحد أبرز الشخصيات الفلسطينية القادرة على التأثير في المشهد السياسي. فالرجل، الذي وُصف طويلاً بـ"نيلسون مانديلا فلسطين" يحتفظ، حتى من داخل زنزانته، بقاعدة شعبية واسعة، ويظهر باستمرار في استطلاعات الرأي مرشحاً قوياً لأي انتخابات رئاسية محتملة.
سيرة سياسية لم تتوقف عند السجن
وُلد البرغوثي عام 1959 في قرية كوبر بالضفة الغربية، وبدأ نشاطه السياسي مبكراً في صفوف الحركة الطلابية، قبل أن يصعد تدريجياً إلى مواقع متقدمة في العمل الوطني الفلسطيني. انتُخب عضواً في المجلس التشريعي عام 1996، واكتسب سمعة لافتة سياسياً قادراً على بناء التوافق بين الفصائل المختلفة، إلى جانب دعمه الواضح لحل الدولتين.
وتشير المقابلة إلى أن أهمية البرغوثي لا تنبع فقط من تاريخه السياسي، بل من دوره اللاحق داخل السجن، حيث واصل التأثير في الحياة السياسية الفلسطينية.
فقد كان أحد أبرز المساهمين في "وثيقة الأسرى" عام 2006، التي مثّلت محاولة نادرة لتوحيد الفصائل الفلسطينية حول برنامج سياسي مشترك يقوم على إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود 1967. لكن محاكمته عام 2004 أمام محاكم الاحتلال الإسرائيلي، انتهت بالحكم عليه بخمسة مؤبدات و40 عاماً إضافية، بعد إدانته بتهم تتعلق بقيادة هجمات خلال الانتفاضة. وقد رفض البرغوثي آنذاك الاعتراف بشرعية المحكمة، معتبراً أنها لا تملك ولاية على فلسطيني من الأراضي المحتلة.
شرعية لم تكسرها السجون
بحسب ما يورده الموقع، فإن سنوات الاعتقال لم تُضعف مكانة البرغوثي، بل ربما عززتها، إذ بات يُنظر إليه على أنه شخصية قادرة على الجمع بين "شرعية النضال" و"القبول السياسي". وتشير استطلاعات رأي حديثة إلى أنه يتفوق على منافسين بارزين في أي سباق رئاسي محتمل، ما يعكس استمرار حضوره في الوعي الشعبي الفلسطيني.
ويرى محاميه أن هذه المكانة تفسر جزئياً طبيعة المعاملة التي يتعرض لها، لكنها في الوقت نفسه تبرز مفارقة لافتة: فبرغم العزل والقيود، لا يزال البرغوثي يتابع تفاصيل المشهد السياسي بدقة، ويُبدي اهتماماً كبيراً بما يجري خارج السجن، سواء على الساحة الفلسطينية أو الإسرائيلية.
تفاصيل الانتهاكات: جسد مستهدف… وعقل صامد
يكشف مرماريلي في المقابلة عن سلسلة اعتداءات تعرض لها موكله في الأشهر الأخيرة، مؤكداً تعرضه للضرب المبرح أكثر من مرة، وحرمانه العلاج، إضافة إلى اعتداءات في أثناء نقله بين السجون، مبيناً أن هذه الحوادث ليست فردية، بل تندرج ضمن "نمط تصاعدي" من العنف والإهمال.
ويقول المحامي إنه الشخص الوحيد الذي يملك معلومات حديثة مباشرة عن الاعتداءات الأخيرة على مروان البرغوثي، بحكم لقائه الأخير به، مشيراً إلى ما وثّقه بعد زيارته في 12 إبريل/ نيسان الحالي. ووفق شهادته، فإن البرغوثي تعرّض خلال الأسابيع الأخيرة لثلاثة اعتداءات عنيفة، مشيراً إلى أنه في 8 إبريل الحالي، تعرّض داخل سجن "غانوت" للضرب المبرح، وبقي ينزف لأكثر من ساعتين دون تلقي أي علاج طبي رغم طلبه ذلك.
وفي 25 مارس/ آذار الماضي، تعرّض لاعتداء في أثناء نقله من سجن "مجيدو" إلى "غانوت". أما في 24 مارس، فشهد سجن "مجيدو" اقتحام زنزانته من قبل الحراس برفقة كلب، حيث أُجبر على البقاء على الأرض، وتعرّض لهجوم متكرر من الكلاب. ويشدد المحامي على أن هذه الوقائع ليست حوادث منفصلة، بل "نمط متصاعد من العنف والإهمال الطبي" يعرّض حياة البرغوثي للخطر.
ويضيف أنه يريد وضع هذه الوقائع في سياقها الكامل، لافتاً إلى أن زيارته المقررة في 16 مارس أُلغيت دون إشعار من مصلحة السجون الإسرائيلية، بذريعة الحرب مع إيران.
ويوضح أنه قدّم في 22 مارس التماساً إلى المحكمة المركزية في الناصرة للمطالبة بزيارة عاجلة وفق ما يقتضيه القانون، إلا أن ردّ مصلحة السجون جاء، بحسب قوله، عبر اقتحام زنزانة البرغوثي في 24 مارس، والاعتداء عليه بالضرب.
وفي اليوم التالي، نُقل البرغوثي من سجن مجيدو شمالاً إلى سجن غانوت جنوباً، لافتاً إلى أن عمليات النقل عادة ما تترافق مع اعتداءات على السجناء، وأن هذا النقل تحديداً أدى أيضاً إلى إسقاط الالتماس القانوني بحكم تغيير الاختصاص القضائي من محكمة الشمال.
ويلفت إلى أن مصلحة السجون انتظرت حتى اللحظة الأخيرة للرد، إذ قدّمت جوابها في الساعة الخامسة والنصف مساءً، بعد انتهاء المهلة القانونية، وأشارت فيه إلى أن السجين لم يعد موجوداً في المنطقة الخاضعة لاختصاص المحكمة، ما يستدعي تقديم التماس جديد. ويخلص المحامي إلى أن هذه الإجراءات تُستخدم، وفق تعبيره، كآلية منهجية لـ"استنزاف المحامين، وإرباك المسار القانوني عبر الإجراءات الإدارية".
تدمير ممنهج للحياة اليومية
تتوسّع المقابلة في وصف الظروف داخل السجون، حيث يشير المحامي إلى سياسات تجويع، وحرمان الكتب والمواد التعليمية، وهي نقطة ذات دلالة خاصة بالنسبة إلى البرغوثي المعروف بشغفه بالقراءة ودوره السابق في تنظيم برامج تعليمية للأسرى.
ويقول إن هذا الحرمان "لا يستهدف الجسد فقط، بل أيضاً الدور الفكري الذي كان يلعبه داخل السجن"، في محاولة لعزل الأسرى سياسياً وثقافياً.
وتضع "يوريست" حالة البرغوثي في سياق أوسع يتعلق بطبيعة النظام القضائي الإسرائيلي، خصوصاً المحاكم العسكرية التي يُحاكم أمامها الفلسطينيون.
وينتقد مرماريلي هذه المحاكم، معتبراً أنها تفتقر إلى معايير العدالة، وأن فرص التبرئة فيها "شبه معدومة"، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي.
إجمالاً، تقدّم المقابلة صورة مركبة لمروان البرغوثي: قائد سياسي بارز، وأسير يعيش ظروفاً قاسية، وشخصية لا تزال فاعلة رغم العزل. وبينما تتصاعد المطالب الدولية بالإفراج عنه، يرى محاميه أن فرص ذلك تبقى محدودة في المدى القريب، في ظل غياب مسار قانوني واضح.
وتختتم المقابلة بتسليط الضوء على البعد الأوسع للقضية، حيث تعكس، بحسب "يوريست"، أسئلة جوهرية عن العدالة وحقوق الإنسان، ودور القانون في سياق نزاع طويل، لا تزال تداعياته مفتوحة على جميع الاحتمالات.
