على وقع طبول الحرب التي لم يهدأ ضجيجها فعلياً، عاد الإعلام العبري ليمارس هوايته في "الإرهاب النفسي" ضد سكان قطاع غزة، ملوحاً باستئناف العدوان الشامل تحت ذرائع واهية تتصل بسلاح المقاومة. هذا التصعيد الكلامي يأتي في وقت لا تزال فيه بنود اتفاق شرم الشيخ الموقع في أكتوبر 2025 حبراً على ورق في أدراج حكومة الاحتلال، التي تملصت من استحقاقات المرحلة الأولى، مفضلةً سياسة "الاغتيالات الموضعية" وقضم التهدئة من أطرافها.
في أزقة غزة المدمرة، يمتزج القلق بالغضب؛ فالمواطن الذي انتظر أن يرى ثمار "وقف إطلاق النار" إعماراً ورفعاً للحصار، وجد نفسه أمام تهديدات بـ "إبادة متجددة". الاحتلال الذي يزعم تعثر المفاوضات بسبب "تعنت المقاومة" في ملف السلاح، هو ذاته من يغلق المعابر ويستهدف الفلاحين على الحدود، ضارباً بعرض الحائط الضمانات الدولية التي رافقت توقيع الاتفاق برعاية إقليمية ودولية.
إن المشهد اليوم يتجاوز مجرد تصريحات إعلامية؛ بل هو انعكاس لأزمة داخلية عميقة يعيشها الكيان، يحاول تصديرها عبر "فزاعة السلاح" للهروب من استحقاقات السلام العادل ورفع المعاناة عن مليوني فلسطيني. المقاومة من جهتها، ترفض المقايضة على حقها في الدفاع عن النفس، مؤكدة أن سلاحها هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار المجازر، خاصة في ظل تنصل الاحتلال المستمر من وعوده.
أمام هذا المنعطف الخطير، يبقى قطاع غزة ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، بين هدنة هشة ينهشها الاحتلال بخروقاته اليومية، وبين تلويح بحرب جديدة تهدف إلى كسر إرادة الصمود التي لم تهزمها أعتى الترسانات العسكرية. "فلسطين الآن" تفتح ملف التهديدات العبرية وتقرأ في مآلات المرحلة القادمة عبر سلسلة من المقابلات والآراء الميدانية.
بالونات اختبار..
ويرى د. إياد الخطيب، المختص بالشأن الإسرائيلي، أن التوجه الإعلامي العبري الأخير يمثل "بالونات اختبار" تقودها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لقياس رد فعل المقاومة والوسطاء على حد سواء. ويوضح أن الاحتلال يعاني من مأزق داخلي كبير نتيجة فشله في تحقيق "صورة النصر" المطلقة، لذا فهو يلجأ مجدداً لأسطوانة "سلاح المقاومة" كذريعة جاهزة لتبرير أي فشل سياسي في تطبيق تفاهمات شرم الشيخ التي وقعت في أكتوبر الماضي.
ويضيف المحلل في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن الاحتلال تعمد منذ اليوم الأول للاتفاق ممارسة سياسة "القضم التدريجي" لوقف إطلاق النار، من خلال استمرار عمليات الاغتيال الممنهجة تحت مسمى "تحييد القنابل الموقوتة"، مبيناً أن هذه السياسة تهدف إلى إبقاء قطاع غزة في حالة من عدم الاستقرار الدائم، مما يحرم الفلسطينيين من الشعور بأي مكتسبات حقيقية ناتجة عن التهدئة، ويبقي خيار العدوان الشامل مطروحاً على الطاولة كأداة ابتزاز سياسي.
وبشأن اشتراط تسليم السلاح، يؤكد د. الخطيب أن هذا الطلب الصهيوني هو "ضرب من الخيال" تدرك تل أبيب قبل غيرها استحالة تحقيقه. فالإعلام العبري يستخدم هذا المطلب لتحميل حركة حماس والمقاومة مسؤولية انهيار التهدئة المحتمل، وللتغطية على تنصل حكومة الاحتلال من بنود المرحلة الأولى التي تشمل الانسحاب من مناطق حيوية وتسهيل دخول مواد الإعمار بشكل غير مشروط.
ويختم د. الخطيب حديثه بالإشارة إلى أن هذه الموجة التحريضية قد تسبق عملية عسكرية محدودة أو توسيعاً لنطاق الاغتيالات، لكنها في جوهرها تعكس خوفاً صهيونياً من تنامي قدرات المقاومة خلال فترة الهدوء. الاحتلال يريد تهدئة "مجانية" لا يدفع فيها أي ثمن سياسي، مع الاحتفاظ بحق القتل، وهو ما ترفضه المقاومة جملة وتفصيلاً، مما يجعل المنطقة تقف على فوهة بركان.
إرهاب نفسي..
بدوره اعتبر الخبير والمحلل بشأن الإسرائيلي محمد أحمد، أن التصريحات العبرية المكثفة تعكس حالة من التخبط داخل "كابينت" الاحتلال، حيث يواجه ضغوطاً من اليمين المتطرف الذي يرفض أي تهدئة مع غزة، مبيناً أن الإعلام هنا يعمل كأداة لتسويق الرواية التي تدعي أن حماس هي من تعيق السلام بتمسكها بالسلاح، متناسين أن الاحتلال هو من يحتل الأرض ويحاصر الإنسان، وهو من يرفض حتى اللحظة تنفيذ التزامات شرم الشيخ المتعلقة بالمعابر والكهرباء والمياه.
ويشير المحلل أحمد في حديثه لـ"فلسطين الآن"، إلى أن "المرحلة الأولى" من الاتفاق كانت اختباراً حقيقياً لمدى جدية الاحتلال، وقد سقط في هذا الاختبار بامتياز. فبدلاً من رؤية تدفق المساعدات وفتح الممرات، شهد أهالي غزة استمراراً لعمليات "التمشيط" الأمني والاستهداف الميداني. هذا التلكؤ المتعمد يهدف إلى إفراغ الاتفاق من مضمونه السيادي، وتحويله لمجرد "هدوء مقابل هدوء" هش يسهل خرقه في أي لحظة.
وحول القلق الشعبي، يوضح أحمد أن الاحتلال يمارس "الإرهاب النفسي" كجزء لا يتجزأ من حربه الوجودية ضد الغزيين. فبث أخبار عن احتمالية استئناف "حرب الإبادة" يهدف إلى خلق حالة من الضغط الشعبي على المقاومة لتعديل مواقفها. لكن التاريخ القريب يثبت أن هذه المحاولات غالباً ما تأتي بنتائج عكسية، حيث تزيد من تمسك الناس بالمقاومة كخيار وحيد للحماية في ظل غياب الضمانات الدولية.
وفي ختام تحليله، يدعو أحمد المجتمع الدولي والوسطاء الذين رعوا اتفاق شرم الشيخ إلى التحرك الفوري للجم الانفلات الإعلامي والعسكري الصهيوني. ويؤكد أن السكوت على خروقات الاحتلال وتصريحاته العدوانية يمنحه "ضوءاً أخضر" لتكرار المجازر، مشدداً على أن استقرار المنطقة يبدأ من إلزام الاحتلال بما وقع عليه، وليس بمطالبة الضحية بنزع سلاحها وهي لا تزال تحت نير العدوان.
الاحتلال لا يحترم عهداً..
وبمرارة ممزوجة بالصمود، يقول الحاج أبو العبد والذي يسكن في أحد مخيمات النزوح التي نزح إليها من شمال قطاع غزة بعد هدم منزله وسرقة أرضه في المناطق الصفراء: "نحن لم نخرج من الحرب أصلاً حتى يعلنوا عن استئنافها؛ فالطائرات لا تفارق السماء، وصوت الانفجارات بين الحين والآخر يذكرنا بأن الاحتلال لا يحترم عهداً".
ويضيف أن سماع أخبار التهديدات العبرية عبر الراديو ووسائل التواصل يعيد إلى الأذهان المشاهد القاسية التي عاشوها في بداية حرب الإبادة، مما يزيد من معاناة الأطفال والنساء النفسية داخل الخيام.
ويتحدث أبو العبد في حديثه لمراسل "فلسطين الآن"، عن خيبة الأمل من عدم تنفيذ بنود اتفاق شرم الشيخ، قائلاً: "قالوا لنا في أكتوبر إن هناك مرحلة أولى ستعيدنا إلى بيوتنا أو على الأقل ستسمح بدخول ما يكفي من طعام ودواء، لكن الحقيقة أننا ما زلنا في العراء، والاحتلال يغلق المعابر متى شاء ويقتل من يشاء بدعوى أنه مطلوب". بالنسبة له، الاتفاق بات مجرد "حبر على ورق" في ظل غياب أي تغيير حقيقي على الأرض.
وحول اشتراط الاحتلال تسليم السلاح، يرد المواطن الغزي بعفوية: "سلاح المقاومة هو الشيء الوحيد الذي جعل العالم يلتفت إلينا ويجلس مع المحتل للتفاوض، فكيف يسلمونه؟ نحن كشعب نرى في هذا السلاح ضمانتنا الوحيدة حتى لا تكرر إسرائيل مجازرها دون رادع". ويؤكد أن المواطن البسيط يدرك تماماً أن الذرائع الإسرائيلية هي غطاء لفشلهم في تهجيرنا أو كسر إرادتنا.
ويختم أبو العبد حديثه بمناشدة لضمير العالم، مؤكداً أن أهل غزة يريدون الحياة الكريمة والحرية، وليس حرباً جديدة. لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن التهديدات الصهيونية لن تخيفهم، فمن نجا من الموت مرات عديدة لا يخشى وعيد المحتل، مطالباً المقاومة بالثبات على مواقفها لأن "الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة، والوعود الصهيونية سراب جربناه عبر السنين".
