في القرى الفلسطينية المحاذية للبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، تحوّلت المواشي من مصدر رزق للمزارعين والرعاة إلى هدف مباشر في صراع مفتوح على الأرض والوجود، بعد تصاعد عمليات سرقة الأغنام والاعتداء على الحظائر والمعدات الزراعية خلال الآونة الأخيرة، في مشهد يصفه فلسطينيون وحقوقيون بأنه جزء من سياسة تضييق ممنهجة تهدف إلى دفع السكان نحو الرحيل عن أراضيهم.
ولعل أحدث هذه الاعتداءات ما شهدته أطراف بلدة سنجل شمال رام الله، حيث اقتحم مستوطنون إسرائيليون المنطقة، وهاجموا ممتلكات الفلسطينيين، قبل أن ينفذوا عمليات سرقة وتخريب وقتل بحق ممتلكات الأهالي ومواشيهم.
وقال المواطن البدوي فادي كعابنة، إنّ ما جرى في سنجل يندرج ضمن سلسلة اعتداءات متواصلة ينفذها المستوطنون بحق المواطنين وممتلكاتهم، موضحاً أن مجموعات من المستوطنين اقتحمت المنطقة وهاجمت ممتلكات السكان، قبل أن تستولي على قطيع من الأغنام وعدد من الجرارات الزراعية والمركبات العائدة لأهالي البلدة، وسط حالة من الخوف والتوتر بين السكان.
وأضاف أن قوات الاحتلال الإسرائيلي وفّرت الحماية للمستوطنين خلال تنفيذ الهجوم، ومنعت الأهالي من الوصول إلى المنطقة أو محاولة التصدي للمعتدين، كما أطلقت قنابل الغاز والصوت تجاه المواطنين الذين حاولوا الدفاع عن ممتلكاتهم وحماية مصادر رزقهم.
وأشار إلى أن استهداف المواشي لم يعد حوادث فردية أو عابرة، بل بات سياسة متكررة تستهدف تقويض الاقتصاد الريفي الفلسطيني، لا سيما في التجمعات البدوية والقرى القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية، حيث يعتمد السكان بشكل أساسي على تربية الأغنام والزراعة كمصدر رئيسي للعيش.
وفي قرية كفر مالك شرقي رام الله، لا يزال المزارع مصطفى إبراهيم ربيع، يعيش تبعات سرقة نحو 80 رأساً من الأغنام من مزرعته قبل أسابيع، بعدما تسلل مستوطنون إلى الحظيرة خلال ساعات الليل، واقتادوا القطيع نحو بؤرة استيطانية مجاورة.
ويقول ربيع إنه تتبع آثار الأغنام صباحاً، ليتأكد من وصولها إلى البؤرة الاستيطانية القريبة، مضيفاً: "عاد رأسان فقط من الأغنام إلى الحظيرة، أما بقية القطيع فبقي داخل البؤرة".
وأشار إلى أن هذه الحادثة ليست الأولى، إذ سبق أن تعرض في آب/أغسطس الماضي لسرقة 100 رأس من الأغنام من مزرعته، دون أن يتمكن من استعادتها أو الحصول على أي تعويض.
وأضاف: "الأغنام ليست مجرد تجارة بالنسبة لنا، بل هي مصدر حياتنا. عندما تُسرق المواشي، تشعر العائلة كلها بأنها مهددة في لقمة عيشها واستقرارها".
ويؤكد مزارعون ورعاة في مناطق مختلفة من الضفة الغربية أن الاعتداءات اليومية لم تعد تقتصر على سرقة الأغنام، بل تشمل أيضاً ملاحقة الرعاة، ومنعهم من الوصول إلى المراعي، وتجريف الأراضي الزراعية، ما يضعهم أمام خسائر متراكمة تدفع كثيرين إلى تقليص نشاطهم الزراعي أو تركه بالكامل.
ويرى الناشط الحقوقي والمتابع لملف الاستيطان بشار القريوتي أن ما يحدث يتجاوز مفهوم السرقة التقليدية، ويشكّل جزءاً من سياسة "تهجير ناعم" تستهدف الوجود الفلسطيني في المناطق الريفية.
وقال القريوتي في حديثه إن استهداف المواشي يضرب أحد أهم أعمدة الاقتصاد الزراعي الفلسطيني، خاصة في القرى التي تعتمد بشكل أساسي على الرعي والزراعة.
وأضاف: "المستوطنون يدركون أن سرقة الأغنام أو تدمير الحظائر يوجّه ضربة مباشرة لقدرة العائلات على الصمود، لذلك أصبحت المواشي هدفاً واضحاً في الصراع على الأرض".
وأوضح أن الاعتداءات غالباً ما تتم بحماية من الجيش الإسرائيلي، الذي يمنع الفلسطينيين من الدفاع عن ممتلكاتهم، فيما نادراً ما تتم ملاحقة المستوطنين المتورطين في هذه الهجمات.
وكشف القريوتي عن أحد الأساليب التي يلجأ إليها الاحتلال والمستوطنون لتبرير جرائم السرقة، من خلال توظيف التكنولوجيا كأداة اتهام جاهزة بحق الفلسطينيين، مستشهداً بحادثة وقعت مؤخراً مع أحد الرعاة الفلسطينيين.
وقال: "سمعت مؤخراً رواية تعكس كيف يمكن تحويل الدليل التقني إلى وسيلة بطش سريعة ضد الفلسطينيين، إذ ترك أحد المستوطنين ثلاث خراف في منطقة جبلية بعد تزويدها بأجهزة تتبع، ولاحقاً مرّ راعٍ فلسطيني يملك قطيعاً كبيراً، فالتحقت الخراف الثلاث بقطيعه بشكل طبيعي، كما يحدث عادة بين الأغنام أثناء الرعي".
وتابع: "في الليلة ذاتها، اقتحم جيش الاحتلال منزل الراعي الفلسطيني، وصادر كامل القطيع بزعم أن الأغنام مسروقة من المستوطنين. وعندما حاول الرجل إثبات براءته، عرض الجنود خريطة تتبع تُظهر أن الخراف الثلاث انتهت داخل قطيعه، ليتم التعامل مع ذلك كدليل اتهام جاهز ضده".
ويرى الباحث والكاتب السياسي مروان القبلاني أن استهداف المواشي في السياق الاستيطاني لا يمكن فصله عن الخلفيات الأيديولوجية والدينية التي تستند إليها بعض الجماعات الاستيطانية المتطرفة.
وأشار إلى نصوص توراتية تُستخدم، بحسب رأيه، لتبرير فكرة "الغنيمة" والاستيلاء على الممتلكات، ومنها ما ورد في "سفر التثنية ـ الإصحاح 20":
"وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك".
وقال القبلاني، إن استحضار مثل هذه النصوص في الخطاب الاستيطاني المتشدد يمنح بعض الجماعات غطاءً أيديولوجياً للاستيلاء على ممتلكات الفلسطينيين، والتعامل مع الأرض والثروة الحيوانية باعتبارها "غنائم" يمكن السيطرة عليها بالقوة.
وأضاف: "ما يجري يتجاوز البعد الاقتصادي، ليصبح جزءاً من معركة على الوجود الفلسطيني نفسه. فالرعاة الذين حافظوا لعقود على علاقتهم بالأرض والمراعي يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تُستهدف فيه الحظائر كما المراعي، وتُلاحق فيه الأغنام كما يُلاحق أصحابها".
ومع استمرار هذه الاعتداءات، تبدو الحظائر الفلسطينية شاهدة على مرحلة جديدة من الصراع، لم يعد يقتصر على السيطرة على الأرض فقط، بل امتد إلى مصادر الحياة اليومية للفلسطينيين، حتى أصبحت الأغنام نفسها هدفاً في معادلة الاقتلاع والتهجير.
ومع تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، باتت القرى الفلسطينية تعيش حالة من الاستنزاف اليومي، في ظل عمليات اقتحام واعتداءات متكررة تستهدف السكان ومصادر رزقهم.
ووفق معطيات فلسطينية رسمية، أسفرت اعتداءات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين منذ ذلك الحين عن استشهاد 1155 فلسطينياً، وإصابة نحو 11 ألفاً و750 آخرين، إضافة إلى اعتقال قرابة 22 ألف فلسطيني في الضفة الغربية.
وبينما تستمر الهجمات على القرى والمراعي، يخشى مزارعون فلسطينيون أن يتحول فقدان المواشي تدريجياً إلى مقدمة لفقدان الأرض نفسها، في معركة باتت الحظائر فيها جزءاً من خط المواجهة اليومي.
