30.01°القدس
29.77°رام الله
29.42°الخليل
25.61°غزة
30.01° القدس
رام الله29.77°
الخليل29.42°
غزة25.61°
الإثنين 18 مايو 2026
3.89جنيه إسترليني
4.12دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.39يورو
2.92دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.89
دينار أردني4.12
جنيه مصري0.06
يورو3.39
دولار أمريكي2.92

تقارير "فلسطين الآن"..

نكبة إغاثية جديدة.. تقليص وجبات المطبخ العالمي يهدد مئات الآلاف بالمجاعة وطرد العمال يعمق القهر!

غزة-فلسطين الآن

لم يكن الحصار المفروض على قطاع غزة مجرد جدرانٍ وأسلاكٍ شائكةٍ تُحيط بجغرافيا الصمود، بل تحوّل بفعل عقلية الاحتلال الصهيوني الإجرامية إلى أداة لتقنين الأنفاس وملاحقة لقمة العيش المجبولة بالدم والمغمسة بالقهر والفقر والبطالة.

وفي ظل استمرار عدوان الإبادة الجماعية وتدمير مقومات الحياة كافة، باتت مخيمات الإيواء المكتظة بالنازحين تعيش على حد الكفاف، بانتظار ما تجود به المؤسسات الإغاثية الدولية لإنقاذ ملايين الأطفال والنساء من براثن المجاعة الحقيقية التي تُهندسها حكومة العدو الفاشية علانية.

وتشهد الأيام الأخيرة فصلاً خطيراً وجديداً من فصول التضييق والخناق؛ حيث أقدم "المطبخ المركزي الدولي" (المطبخ العالمي) في قطاع غزة على خطوة صادمة قضت بتقليص وجبات الطعام اليومية التي يقدمها من مليون وجبة إلى 200 ألف وجبة فقط.

وتأتي هذه التراجعات الحادة في التوزيع لتضع أكثر من 70% من أبناء الشعب الفلسطيني المحاصر في عراء الجوع الحتمي، كونهم يعتمدون بشكل كلي ويومي على هذه التكيات والوجبات الجاهزة لسد رمق عوائلهم عقب تدمير الأسواق وانعدام القدرة الشرائية.

ولم تتوقف حدود هذه الكارثة الإنسانية عند تجويع البطون الخاوية، بل امتدت لتضرب الاستقرار المعيشي والاجتماعي الهش لمئات العائلات الفلسطينية؛ إذ أقدمت إدارة المطبخ الدولي على فصل وتصريح أكثر من 500 موظف وعامل من الطواقم المحلية التي كانت تدير خطوط الإنتاج والطهي والتوزيع.

وجاء هذا القرار التعسفي ليلقي بهؤلاء العمال وأسرهم إلى رصيف البطالة القسرية والفقر المدقع، بعد أن كانت رواتبهم البسيطة هي الملاذ الأخير والوحيد لتسيير أمور حياتهم الصعبة وتوفير الحد الأدنى من متطلبات البقاء.

إن هذا التدهور المتسارع والخطير في أداء المؤسسات الدولية يوضح بجلاء حجم الكارثة الإنسانية والاجتماعية التي ستحل بالنازحين في مختلف محافظات قطاع غزة، وسط اتهامات متزايدة للاحتلال الصهيوني بالضغط على الطواقم الأجنبية وتفخيخ مسارات الإمداد والتمويل لتعميق سلاح التجويع.

ويتزامن هذا التراجع الكارثي مع قرصنة بحرية العدو الصهيوني لـ"أسطول الصمود" الإنساني في المياه الدولية، ليتكامل حصار البحر والبر في طوق خانق يهدف إلى تركيع الحاضنة الشعبية للمقاومة.

أبعاد كارثية..

وحول الأبعاد الكارثية المترتبة على هذا القرار، وصف الأستاذ عبد الهادي مسلم، رئيس لجنة توزيع الطعام في مخيم البريج، خطوة المطبخ الدولي بالنكبة الإنسانية الجديدة التي تضاف لسجل المعاناة المتفاقمة.

وقال مسلم في حديثه لمراسل "فلسطين الآن": "إن تقليص الوجبات من مليون إلى 200 ألف وجبة يومياً على مستوى القطاع هو انسحاب دراماتيكي ومفاجئ يُعرّي المنظومة الإغاثية الدولية، ويترك مئات آلاف العائلات والنازحين في مخيم البريج والمحافظة الوسطى في مواجهة مباشرة مع خطر سوء التغذية الحاد والمجاعة الحقيقية".

وأضاف مسلم أن لجنة التوزيع باتت في موقف عاجز ومحرج للغاية أمام آلاف المواطنين الذين يتكدسون يومياً أمام نقاط المطبخ الدولي، حيث أصبحت الكميات المتوفرة لا تغطي سوى نسبة ضئيلة جداً لا تتجاوز 5% من الاحتياج الفعلي للمخيم المحاصر.

وأوضح أن الكارثة لن تقتصر على غياب الطعام، بل ستلقي بظلالها على الاستقرار المجتمعي داخل مخيمات النزوح المكتظة، محذراً من حدوث تدهور صحي خطير بين صفوف الأطفال، والنساء الحوامل، وأصحاب الأمراض المزمنة (مثل مرضى ضغط الدم والسكري) الذين يعانون بالأساس من سوء التغذية الحاد وانعدام الأدوية.

وحمّل رئيس لجنة التوزيع الاحتلال الصهيوني المسؤولية الأولى والمباشرة عن هذه الأزمة عبر استهدافه الممنهج لقوافل الإغاثة، ومماطلته في إدخال الشاحنات والمواد الخام اللازمة لتشغيل المطابخ المركزية، معتبراً أن تراجع المطبخ الدولي هو نتاج رضوخ مباشر للضغوط والشروط الصهيونية التي تسعى لتحويل المساعدات إلى أداة ابتزاز سياسي.

ودعا مسلم وكالة "الأونروا" والمؤسسات الحقوقية والإنسانية كافة إلى التدخل الفوري والطارئ لتعويض هذا النقص الحاد وضخ الدعم العاجل لتأمين الأمن الغذائي للنازحين قبل فوات الأوان وانفجار الأوضاع بشكل لا يمكن السيطرة عليه.

صرخة نازح..

وقف المواطن الخمسيني، أبو محمد، والدموع تحتبس في عينيه الغائرتين خلف ملامح أرهقها النزوح المستمر، حاملاً وعاءً فارغاً في وسط وقفة احتجاجية غاضبة نظمها النازحون داخل مخيم البريج بوسط قطاع غزة. تحدث بمرارة لمراسل "فلسطين الآن" مشيراً إلى أن هذا القرار يمثل حكماً بالإعدام السريع على أطفاله السبعة الذين كانوا ينتظرون طابور التكية لساعات طويلة من أجل الحصول على وجبة طعام واحدة يتقاسمونها طوال اليوم لتبقيهم على قيد الحياة.

وأكد النازح بكلمات مخنوقة أن الاعتماد على وجبات المطبخ الدولي لم يكن ترفاً أو خياراً، بل كان القشة الوحيدة التي تحمي عائلته من الهلاك الحتمي بعد أن فقد منزله ومصدر رزقه، وأصبح عاجزاً تماماً عن شراء ربطة خبز واحدة أو علبة معلبات من الأسواق التي اشتعلت فيها الأسعار بفعل الحصار الغاشم وإغلاق المعابر المتواصل.

وأضاف أن تقليص الوجبات بنسبة 80% يعني أن الغالبية العظمى من العائلات في المخيم ستنام بطونهم خاوية، وأن الطوابير الممتدة ستحمل معها المشاحنات والقهر اليومي دون جدوى أو طائل.

واستنكر صمت المؤسسات الدولية وحكومات العالم التي تشاهد تفاصيل الموت البطيء والتجويع الممنهج لمليوني إنسان دون أن تحرك ساكناً للجم العربدة الصهيونية أو إجبار الاحتلال على فتح الشرايين الإغاثية للقطاع. و

ختم حديثه بالتأكيد على أن شعبنا الفلسطيني ورغم الجوع والعطش وفقدان المأوى، لن يقبل بالذل أو المساومة على كرامته وحقوقه الوطنية، وسيبقى متمسكاً بأرضه ومخيماته مهما بلغت شدة المؤامرات وتواطأت الأطراف الدولية لتشديد الحصار.

حسرة وخذلان..

وفي زاوية أخرى من زوايا المعاناة، التقت "فلسطين الآن" الشاب (أ. م)، وهو أحد الموظفين الـ500 الذين طالهم قرار الفصل الجائر والتعسفي من العمل داخل المطبخ المركزي الدولي عقب تقليص الإنتاج، وتحدث الموظف بنبرة تملأها الحسرة والخذلان قاصاً كيف تحول بين ليلة وضحاها من عامل يسهم في إطعام أبناء شعبه وإعالة أسرته، إلى عاطل عن العمل ينضم لجيش العاطلين المقيدين بأغلال الحصار والعدوان الصهيوني الغاشم.

وأكد الموظف المفصول أن إدارة المطبخ الدولي أبلغتهم بقرار الاستغناء عن خدماتهم بشكل مفاجئ ودون سابق إنذار أو صرف أي تعويضات تذكر، مبررة ذلك بتراجع التمويل وتقليص عدد الوجبات المطهية يومياً.

وأشار إلى أن عمله في المطبخ طوال الأشهر الماضية كان بمثابة حبل النجاة الوحيد الذي مكنه من توفير المأكل والمشرب والمستلزمات الأساسية لعائلته المكونة من ستة أفراد، والنازحة داخل خيمة مهترئة لا تقي حرارة الصيف ولا برد الشتاء.

وتابع قائلاً: "إن هذا القرار لم يكن جائراً بحقي وحدي، بل هو طعنة في خاصرة 500 عائلة فلسطينية كانت تعتمد على هذه الوظائف الشاقة لتسيير كفاف يومها في ظل انعدام تام لأي فرص عمل بديلة بقطاع غزة المدمر".

وطالب الشاب إدارة المطبخ الدولي بمراجعة هذا القرار اللاإنساني والتحلي بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية تجاه الطواقم المحلية التي خاطرت بحياتها وعملت تحت القصف والعدوان لتأمين الغذاء للمحاصرين، مؤكداً أن الاستغناء عن العمال في هذا التوقيت يمثل تخلياً واضحاً عن الدور الإنساني المفترض للمؤسسات الدولية.

المصدر: فلسطين الآن