26.68°القدس
26.44°رام الله
25.53°الخليل
26.79°غزة
26.68° القدس
رام الله26.44°
الخليل25.53°
غزة26.79°
الثلاثاء 02 يونيو 2026
3.8جنيه إسترليني
3.98دينار أردني
0.05جنيه مصري
3.28يورو
2.82دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.8
دينار أردني3.98
جنيه مصري0.05
يورو3.28
دولار أمريكي2.82

تقارير "فلسطين الآن"..

مقصلة "التعطيش الوقودي" والافتقار الدوائي.. مستشفيات غزة تواجه حرب تصفية بيولوجية صامتة

خاص-فلسطين الآن

تواجه المنظومة الصحية في قطاع غزة المحاصر فصلاً متجدداً هو الأكثر دموية وإجراماً منذ بدء حرب الإبادة الجماعية، حيث تسابق الطواقم الطبية الزمن تحت وطأة خانقة من الأزمات المركبة التي تفرضها آلة الحرب الصهيونية، إذ يتزامن هذا الانهيار البنيوي الشامل مع تصاعد القصف المدفعي والجوي الصهيوني الذي يغمر غرف الطوارئ بمئات الجرحى والأشلاء على مدار الساعة، مما جعل المستشفيات حلبة مواجهة مباشرة للبقاء على قيد الحياة بأدوات تكاد تكون منعدمة.

إن تلازم النقص الحاد في الكوادر التخصصية، ونفاد الأدوية المنقذة للحياة، مع الشلل الشبه تام في إمدادات الوقود المشغل للمولدات، يمثل حكماً صهيونياً بالإعدام الجماعي الصامت بحق آلاف المرضى والجرحى. حيث لم تعد الأزمة مقتصرة على العجز عن تقديم الرعاية التكميلية، بل امتدت لتضرب النواة الأساسية للعمليات الجراحية العاجلة، مما يضع الأطباء أمام خيارات أخلاقية وإنسانية مريرة في المفاضلة بين حياة مصاب وآخر بناءً على ما توفر من قطرات التخدير الأخيرة.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن السياسة الصهيونية الممنهجة المتمثلة في إغلاق المعابر البرية ومنع تدفق المساعدات الطبية الدولية، حوّلت المشافي الصامدة إلى مراكز إيواء كبرى تفتقر لأدنى مقومات الرعاية الصحية والتعقيم، ما تسبب في قفزة قياسية لمعدلات الوفيات الناتجة عن تسمم الجروح والالتهابات البكتيرية المستعصية، هذا الواقع الكارثي يجري في ظل عجز دولي وصمت أمريكي مريب يمنح الاحتلال الضوء الأخضر لاستخدام القطاع الصحي كأداة ضغط عسكري وسياسي لتركيع الشعب الفلسطيني.

ومع اقتراب غرف العناية المركزة وحضانات الأطفال وأقسام غسيل الكلى من نقطة الموت السريري الكامل نتيجة التهديد الوشيك بـانقطاع التيار الكهربائي، يغدو الحديث عن "منظومة صحية متهالكة" وصفاً مخففاً لواقع يباد فيه المريض داخل سريره الطبي بفعل الحصار المطبق، ما يفرض حاجة فورية ومصيرية لانتزاع شريان الحياة الطبي قبل فوات الأوان وسقوط آلاف الضحايا الجدد دون أن يلمسهم رصاص الاحتلال بشكل مباشر.

شهداء الأقصى على حافة الإظلام التام..

بدوره أكد الدكتور رائد حسين - مدير مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح، أن مستشفى شهداء الأقصى، الذي يمثل شريان الحياة الوحيد للمحافظة الوسطى بأكملها ويخدم مئات آلاف المواطنين والنازحين، بات اليوم على مسافة ساعات قليلة من التوقف التام والإظلام الكامل، مبيناً أن المستشفى تمر بأزمة وقود هي الأخطر منذ بدء العدوان، جراء تعمد الاحتلال الصهيوني تقليص كميات السولار الواردة عبر المؤسسات الدولية إلى حد لا يغطي الحد الأدنى لتشغيل المولدات الكهربائية التي نعتمد عليها بشكل كامل لتعويض انقطاع التيار الكهربائي العام وتدمير البنية التحتية للطاقة بالقطاع.

وأضاف حسين في حديثه لمراسل "فلسطين الآن": "توقف هذه المولدات لا يعني مجرد انطفاء الأنوار في الممرات، بل هو توقف فوري لقلب المستشفى النابض؛ حيث سينقطع الأكسجين والتيار الكهربائي عن غرف العمليات المركزية وأقسام العناية المركزة التي تغص بجرحى القصف الصهيوني الغادر، بالإضافة إلى حضانات الأطفال حديثي الولادة الذين يعتمد بقاؤهم على قيد الحياة على استقرار النبضات الكهربائية للأجهزة الطبية، ما يحول هذه الأقسام إلى مقابر جماعية في غضون دقائق معدودة من الانقطاع".

وتابع: "قسم غسيل الكلى الذي يخدم مئات المرضى المصابين بالفشل الكلوي سيتوقف عن العمل تماماً، مما يعني حكماً بالإعدام البطيء والمؤكد على هؤلاء المرضى الذين لا يمكنهم تحمل تأخير جلساتهم العلاجية". كما أن ثلاجات حفظ الأدوية الحساسة والمختبرات وبنوك الدم التي تحتاج إلى تبريد دائم ومستمر ستفقد صلاحيتها، مما يهدد بإتلاف ما تبقى من مخزون استراتيجي محدود لدينا ويضاعف من عمق المأزق العملياتي للطواقم الطبية المنهكة أصلاً.

واختتم حسين حديثه بصرخة استغاثة أخيره وموجهة إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والحقوقية والأممية، نذكرهم فيها بمسؤولياتهم القانونية والأخلاقية بضرورة الضغط الفوري والمباشر على سلطات الاحتلال الصهيوني لإدخال الوقود بشكل منتظم وكافٍ. إن الصمت على هذه الجريمة الممنهجة يعنى مشاركة فعلية في تصفية من نجا من الصواريخ والقذائف الصهيونية، والوقت الراهن لم يعد يحتمل إرسال مناشدات أو وعود فضفاضة بل يتطلب حراكاً ميدانياً عاجلاً لإنقاذ أرواح الأبرياء.

مخازن فارغة ورفوف خاوية..

بدوره أكد الدكتور علاء حلس - مدير صيدليات المستشفيات في وزارة الصحة الفلسطينية، أن المستشفيات والمرافق الطبية في قطاع غزة تشهد حالة من الجفاف والنفاد الدوائي الشامل غير المسبوق في التاريخ الحديث، حيث تسببت سياسة الحصار والإغلاق الصهيوني المحكم للمعابر البرية في تفريغ مستودعات وزارة الصحة من معظم الأدوية الأساسية والمستهلكات الطبية الضرورية. ونحن نعلن بكل أسف أن نسبة العجز في قائمة الأدوية الحيوية تجاوزت مستويات كارثية، مما جعل الرفوف الصيدلانية خاوية تماماً أمام طوفان الإصابات المعقدة والمركبة التي تصل للمشافي يومياً جراء المجازر الصهيونية المتواصلة.

وأشار حلس في حديثه لـ"فلسطين الآن"، إلى أن النقص الحاد يتركز بشكل مباشر ومؤرق في أدوية التخدير والمستلزمات الخاصة بغرف العمليات، والمضادات الحيوية الوريدية، وأدوات الجراحة الأساسية مثل الخيوط والضمادات المعقمة ومثبتات العظام، مبيناً أن هذا الواقع القاسي يدفع الطواقم الجراحية في كثير من الأحيان إلى إجراء عمليات بتر للأطراف وتطهير للجروح العميقة والبالغة دون تخدير كافٍ أو باستخدام بدائل بدائية ومحدودة، مما يضاعف من الآلام الجسدية والنفسية الكارثية للمصابين ويزيد من احتمالات وفاتهم جراء الصدمة العصبية والنزيف.

وأضاف: "لم تتوقف الأزمة عند جرحى الحرب، بل امتدت لتطال عشرات الآلاف من أصحاب الأمراض المزمنة؛ حيث بات مرضى الأورام والسرطان، ومرضى الدم، والمصابون بالسكري والضغط، عاجزين تماماً عن إيجاد جرعاتهم العلاجية الدورية في صيدليات المستشفيات".

وتابع: "هذا الحرمان الدوائي الممنهج والمنظم يتسبب في تدهور متسارع للحالات الصحية لهؤلاء المرضى، ويؤدي إلى مضاعفات مميتة تفوق في خطورتها في كثير من الأحيان الإصابات المباشرة للقصف العسكري، ما يمثل حرب تصفية بيولوجية صامتة تقودها مخابرات الاحتلال".

وختم حلس حديثه: "إننا في وزارة الصحة الفلسطينية نؤكد أن شحنات المساعدات الطبية المحدودة والخجولة التي يسمح الاحتلال الصهيوني بعبورها بين الحين والآخر بعد تنكيل طويل، لا تغطي سوى أقل من 5% من الاحتياج الفعلي اليومي للمستشفيات، وهي عبارة عن مستلزمات لا تلبي طبيعة الإصابات الحرجة. وعليه، فإننا نطالب كافة الجهات الدولية والمؤسسات الصيدلانية العالمية بكسر هذا الحظر الصهيوني الجائر، وفرض إدخال قوافل الإمداد الطبي والدواني بشكل آمن ومباشر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المنظومة الصحية المترنحة قبل الانهيار الشامل".

المصدر: فلسطين الآن