في عالمٍ يرفع شعارات العدالة وحقوق الإنسان وسيادة القانون، تبدو قضية المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان وكأنها لحظة كاشفة تسقط الأقنعة عن وجه النظام الدولي المعاصر، فالرجل الذي قرر أن يقترب من واحدة من أكثر الملفات حساسية في العالم، وأن يضع قادة إسرائيل للمرة الأولى في دائرة الملاحقة القانونية الدولية، وجد نفسه فجأة محاصراً بالضغوط والعقوبات والاتهامات، قبل أن يُدفع خارج دائرة التأثير والقرار.
قد يختلف الناس حول كريم خان كشخص، وقد تتباين الآراء بشأن الاتهامات التي وُجهت إليه، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن كل ما جرى جاء بعد أن تجاوز أحد المحظورات الكبرى في السياسة الدولية: محاولة محاسبة إسرائيل على جرائمها أمام القضاء الدولي.
فمنذ تأسيس المحكمة الجنائية الدولية، لم تواجه المؤسسة حرباً سياسية وإعلامية ودبلوماسية كالتي واجهتها بعد إصدار مذكرات الاعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، فجأة تحولت المحكمة من رمز للعدالة الدولية إلى مؤسسة "منحازة"، وتحول المدعي العام الذي كان يُنظر إليه باعتباره حامياً للقانون إلى هدفٍ مفتوح لحملات التشويه والضغوط والعقوبات.
لقد كشفت هذه القضية حقيقة طالما حاولت القوى الكبرى إخفاءها خلف الشعارات البراقة؛ فالقانون الدولي ليس منظومة واحدة تُطبق على الجميع، بل منظومة تعمل بازدواجية معايير ذات طبقتين: طبقة للدول الضعيفة والشعوب المستضعفة، وطبقة أخرى للدول المحمية بالنفوذ والقوة العسكرية والغطاء السياسي الغربي.
فعلى مدى عقود، شاهد العالم مسؤولين وقادة من دول مختلفة يُجرّون إلى المحاكم الدولية، وتُفرض على بلدانهم العقوبات والحصارات تحت عنوان العدالة وحقوق الإنسان. لكن عندما تعلق الأمر بإسرائيل، الدولة التي تواجه اتهامات متواصلة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين، بدأت القواعد تتغير، وبدأت الأعذار تُصنع، وبدأت الضغوط تُمارس على كل من يحاول كسر جدار الحصانة السياسية الذي أحاط الاحتلال نفسه به لعقود.
إن ما جرى مع كريم خان لا يمكن فصله عن الحرب الدائرة في غزة، ولا عن حجم الغضب الدولي المتصاعد تجاه الجرائم المرتكبة هناك، فالمحكمة الجنائية الدولية لم تُعاقَب لأنها أخطأت في الإجراءات، بل لأنها اقتربت من منطقة يعتبرها الغرب خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه، وما العقوبات الأمريكية والضغوط السياسية إلا جزء من منظومة أوسع هدفها إرسال رسالة واضحة إلى كل مؤسسة دولية: يمكنكم الحديث عن العدالة ما شئتم، لكن ليس عندما تصلون إلى إسرائيل.
لقد أرادت واشنطن وتل أبيب، ومن يدور في فلكهما، أن يتحول كريم خان إلى نموذج ردع لكل مسؤول دولي يفكر مستقبلاً في السير في الطريق نفسه، فالرسالة ليست موجهة إلى شخص واحد، بل إلى كل قاضٍ ومدعٍ عام ومحقق وخبير قانوني يعمل داخل المؤسسات الدولية، الرسالة تقول بوضوح: من يقترب من إسرائيل سيدفع الثمن، مهما كان منصبه ومهما كانت الحماية القانونية التي يفترض أنها تحيط به.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالمسألة لم تعد تتعلق بمصير فرد، بل بمصير العدالة الدولية ذاتها، لأن المؤسسة التي تعجز عن حماية مسؤوليها من الضغوط السياسية لن تكون قادرة على حماية الضحايا من الظلم، والمحكمة التي تُجبر على التراجع أمام النفوذ السياسي لن تستطيع إقناع الشعوب بأنها تمثل العدالة التي وُجدت من أجلها.
لقد خسر كريم خان موقعه ونفوذه، أو على الأقل جزءاً كبيراً منهما، لكن الخاسر الأكبر قد يكون المحكمة الجنائية الدولية نفسها، والعدالة الدولية نفسها، فكل ضحية حرب، وكل شعب يتعرض للاحتلال أو العدوان، وكل إنسان كان يؤمن بأن هناك محكمة يمكن أن تنتصر له يوماً ما، بات يرى اليوم أن العدالة الدولية ليست عمياء كما يقال، بل بعين واحدة تنظر جيداً إلى هوية المتهم قبل أن تقرر كيف تتعامل معه.
إن قضية كريم خان ليست قصة رجل سقط من منصبه، بل قصة نظام دولي كامل يسقط في امتحان المصداقية، وإذا كانت غزة قد كشفت حدود الإنسانية لدى كثير من الحكومات، فإن ما جرى مع كريم خان كشف حدود العدالة ذاتها،
وحين تصبح محاسبة المتهم جريمة، ويصبح ملاحق المجرمين هو المستهدف، فإن المشكلة لم تعد في المحكمة أو المدعي العام، بل في عالم قرر أن القوة أهم من القانون، وأن النفوذ أقوى من العدالة، وأن الضحية يمكن أن تُقتل مرتين؛ مرة بالقصف، ومرة بالصمت والعجز والخذلان.
