على عتبة الباب الخارجي للشقة السكنية المتفحمة بالقرب من "دوار البركة" في مدينة دير البلح، كان الرضيع سامي عمر أبو قاسم (3 سنوات) يزحف بجسده الغض الصغير غريزياً نحو النور، فاراً من ألسنة اللهب والدخان الأسود التي بدأت تلتهم بقايا سريره وألعابه. كان يزحف باكياً، باحثاً عن كف أمه الحانية "أسماء" لتلتقطه، أو صوت والده "عمر" ليطمئنه، دون أن يدرك الصغير أن الصاروخ الإسرائيلي الذي اخترق سقف بيتهم فجر اليوم الأربعاء، قد أباد عائلته بالكامل، وجعله يحمل لقب "الناجي الوحيد" قسراً وهو لم يتعلم النطق بعد.
تحت ركام الشقة المدمرة، ارتقى الأب الشاب عمر سامي أبو قاسم (33 عاماً)، وزوجته وأم أطفاله أسماء غازي أبو قاسم، والطفلة حبيبة (6 سنوات) التي كانت تستعد لصفها الدراسي الأول، ليتحول البيت في لمح بصر إلى مقبرة متفحمة ورماد. وحده سامي، قذفت به قوة الانفجار الضخم نحو الممر المؤدي للباب، لتباغته النيران المشتعلة في الأثاث، فيسجل بإنقاذه معجزة إلهية، بعدما تمكنت طواقم الإسعاف والمواطنون من التقاطه وهو يزحف مغطى بالرماد والدماء على عتبة الشقة قبل أن تصل النيران إلى جسده الطري وتلتهمه.
نُقل الصغير سامي إلى مستشفى شهداء الأقصى، ليوضع على أسرة العلاج وحيداً، بلا أب يقبل جبينه، وبلا أم تضمه لتهدئة روعه من هول الانفجار.
ينظر حوله بعينين تملؤهما الصدمة والذهول، يراقب حركة الأطباء والمسعفين، وينادي بكلمات متلعثمة على شقيقته حبيبة التي رحلت ولن تلعب معه بعد اليوم. لقد بقي هذا الطفل ذو الثلاثة أعوام وحده في هذا العالم، يحمل اسماً لعائلة مسحها جيش الاحتلال الإسرائيلي بالكامل من السجل المدني، في جريمة إبادة جماعية متواصلة تخترق ترتيبات التهدئة وتستهدف الطفولة والحياة في قطاع غزة.
سامي الصغير، الذي نجا بأعجوبة من نيران القصف، يحتاج اليوم إلى عالمٍ يحمي من تبقى من الأطفال، عالمٍ يوقف آلة القتل الصهيونية التي تستبيح البيوف الآمنة في غزة.
رحم الله والديه وشقيقته الطفلة، وألهم هذا الصغير الصبر والنسيان، وكتب له حياةً تمنحه القوة والتعويض عن فقدٍ مرير وأليم لا يمكن لأي شيء في هذا الكون أن يعوضه.
