في عمق الكارثة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة، تواجه النساء الحوامل حرباً من نوع آخر تستهدف الوجود الفلسطيني في مهده، حيث تحولت الأرحام التي تصنع الحياة إلى مقابر جماعية للأجنة بفعل أدوات الموت الإسرائيلية المستمرة. وتسجل المستشفيات والمراكز الطبية المتبقية في القطاع ارتفاعاً غير مسبوق في حالات الإجهاض القسري وفقدان الأجنة، في ظاهرة باتت تؤرق المنظومة الصحية المتهالكة وتدق ناقوس الخطر حول مستقبل ديموغرافي كارثي يتهدد الأجيال القادمة نتيجة استنشاق الغازات السامة والتعرض للصدمات النفسية العنيفة.
هذا التدهور الحاد في الصحة الإنجابية لا ينفصل عن واقع التجويع الممنهج وسوء التغذية الحاد الذي يعصف بالنساء الحوامل، حيث تفتقر الأمهات إلى أدنى المقومات الغذائية والرعاية الطبية اللازمة لاستمرار الحمل بشكل طبيعي. إن انهيار المنظومة الصحية وخروج كبرى المستشفيات عن الخدمة حصاراً وقصفاً، قد حرم آلاف الحوامل من مراقبة سلامة أجنتهن، مما جعل من رحلة الحمل مغامرة محفوفة بالموت المحقق للأم والجنين معاً، في ظل انعدام الأدوية والمكملات الغذائية الأساسية.
ولم تتوقف المعاناة عند حدود الإجهاض وفقدان الأجنة، بل امتدت لتشمل تصاعداً مخيفاً في معدلات الولادة لأجنة يعانون من تشوهات خلقية جسيمة ونادرة لم تعهدها الطواقم الطبية في القطاع من قبل. ويرجع أطباء ومختصون هذه التشوهات الكارثية إلى الأسلحة المحرمة دولياً والقذائف المتفجرة التي تنشر سمومها في الهواء والتربة ومياه الشرب، مما أدى إلى تسمم البيئة الرحمية للأمهات وتدمير الخلايا الجينية للأجنة في مراحل تكوينها الأولى.
وتأكيداً لعمق هذه المأساة، جاء التقرير الأخير الصادر عن وزارة الصحة في غزة تحت عنوان "حالات الإجهاض في زمن الحرب والتداعيات الكارثية" ليوثق بالأرقام الانهيار الوبائي والديموغرافي الذي يشهده القطاع، كاشفاً عن عجز تام في قدرة البيئة الرحمية على دعم الحياة الإنسانية. إن هذا التقرير لا يمثل مجرد إحصاءات طبية، بل هو وثيقة إدانة دولية لجرائم الإبادة الجماعية التي تستهدف قطع نسل الشعب الفلسطيني وتدمير بنيته السكانية بشكل متعمد وممنهج أمام مرأى ومسمع من العالم أجمع.
أجنة تولد بأعضاء ناقصة..
وأكد الدكتور مروان أبو أسد" طبيب النساء والولادة"، أن ما نشهده اليوم في أقسام الولادة المتبقية داخل قطاع غزة يتجاوز المألوف الطبي ويشكل صدمة يومية للطواقم الطبية، حيث ترد إلينا عشرات النساء اللواتي فقدن أجنتهن في الأسابيع الأولى أو المتوسطة من الحمل دون وجود أسباب طبية سابقة سوى التعرض المباشر للضغط الانفجاري الهائل أو استنشاق الغازات المنبعثة من القذائف. الصدمات النفسية الحادة وحالات الذعر الهستيري التي تعيشها الحوامل جراء القصف الليلي المستمر تؤدي فوراً إلى تدفق هرمونات التوتر بشكل يقطع إمدادات الأكسجين عن الجنين ويسرع من عملية الإجهاض المفاجئ.
واعتبر أبو أسد في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن المشكلة الأكبر التي تواجهنا كأطباء هي العجز التام عن تقديم الرعاية الوقائية للحوامل، فسوء التغذية الحاد ونقص حمض الفوليك والحديد والفيتامينات الأساسية في غذاء الأمهات أضعف مناعتهن وجعل الأرحام بيئة غير قادرة على تثبيت الحمل أو تغذية الجنين. مئات النساء يعانين من فقر دم حاد وهبوط في مؤشرات الجسم الحيوية، مما يجعل أجسادهن عاجزة عن تحمل عبء الحمل، وينتهي الأمر بوفاة الجنين داخل الرحم وتسمم الأم في كثير من الأحيان بسبب تأخر وصولها إلى المستشفى.
وأضاف: "أما بخصوص التشوهات الخلقية، فإننا نرى بأعيننا أجنة تولد بأعضاء ناقصة، أو بتشوهات خطيرة في الجهاز العصبي والقلب والجمجمة، وبعض هذه الحالات تصنف طبياً بأنها نادرة جداً ولم نكن نراها إلا في الكتب الطبية المتقدمة. نحن على يقين تام بأن المركبات الكيميائية والمعادن الثقيلة الموجودة في الصواريخ المتفجرة التي تسقط على رؤوس المدنيين تتسرب إلى أجساد الأمهات عبر الاستنشاق أو المياه الملوثة، وتحدث طفرات جينية مباشرة تدمر التكوين الجسدي الطبيعي للأجنة".
وختم حديثه: "الوضع الإنساني يتطلب تدخلاً دولياً فورياً لإنقاذ ما تبقى من النساء والأطفال في غزة، فالمنظومة الحالية عاجزة عن توفير غرف عمليات آمنة أو حضانات كافية للأطفال الخدج الذين يولدون قبل أوانهم بسبب العمليات القيصرية الطارئة الناتجة عن النزيف الحاد للحوامل. إن استمرار هذا الوضع يعني تصفية صامتة للأجيال الفلسطينية القادمة، وما لم يتم توفير الغذاء الصحي والرعاية الطبية العاجلة للحوامل، فإن الكارثة الطبية ستتضاعف وتنتج جيلاً يعاني من إعاقات دائمة ومستدامة".
قطاع غزة يتعرض لعملية إبادة بيولوجية..
بدوره أكد الدكتور محمد أبو سليمة مدير مجمع الشفاء الطبي، أن المنظومة الصحية في غزة تتحمل العبء الأكبر من هذه الكارثة الإنسانية، حيث رصدنا تحولاً دراماتيكياً ومرعباً في طبيعة الحالات التي تصل إلى أقسام الطوارئ والولادة، والتي تعكس عمق الجريمة التي ترتكب بحق الأمهات والأجنة. لقد تحولت ساحات المستشفيات وأقسامها إلى مأوى وملاذ أخير لحالات النزيف الحاد الناجم عن الإجهاض القسري، وسط شح شديد في وحدات الدم والمستهلكات الطبية الضرورية لإنقاذ حياة الأمهات اللواتي ينزفن حتى الموت بسبب نقص الأدوية القابضة للرحم.
وأكد أبو سلمية في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن الاستهداف المباشر للمنظومة الصحية وقطع خطوط الإمداد الطبي والكهربائي عن المستشفيات جعلا من الصعب جداً تشخيص حالات التشوه الجنيني المبكر عبر أجهزة "الألتراساوند" أو تقديم الرعاية العاجلة للحوامل اللواتي يحتجن إلى تثبيت طبي. مجمع الشفاء الطبي يحاول العمل بأدنى المقومات، لكن غياب المعقمات والأدوية الحيوية يجعل حتى عمليات الولادة القيصرية الاضطرارية تشكل خطراً محدقاً على حياة الأم بسبب احتمالية الإصابة بالتهابات وتسمم الدم في ظل تكدس المرضى والنازحين.
وأضاف: "إن التقرير الأخير الصادر عن وزارة الصحة يضع الأصبع على الجرح النازف ويؤكد ما حذرنا منه مراراً من أن قطاع غزة يتعرض لعملية إبادة بيولوجية وديموغرافيّة تستهدف تدمير النسيج السكاني، حيث أصبحت نسب الإجهاض تفوق بمراحل القدرة الاستيعابية لأقسام الولادة. المواد السامة التي خلفتها القذائف في البيئة المحيطة والركام والتربة اخترقت الحواجز المشيمية للأمهات، وباتت تهدد كل امرأة حامل داخل القطاع بالموت أو بإنجاب طفل يعاني من تشوهات مميتة تنهي حياته بعد دقائق من الولادة".
وختم حديثه: "نحن نطلق صرخة استغاثة إنسانية من قلب مجمع الشفاء الطبي إلى كافة المؤسسات الدولية والمنظمات الصحية العالمية للوقوف عند مسؤولياتها ووقف هذه المجزرة الصامتة التي تستهدف المستقبل الفلسطيني. إن حماية النساء الحوامل وتوفير البيئة الصحية الآمنة والمكملات الغذائية العاجلة لهن ليس ترفاً، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان لإنقاذ الأمهات وحماية الأجنة من مصير الموت والتشوه الذي يلاحقهم في كل لحظة من هذا العدوان".
أرقام مرعبة..
ووثق التقرير الرسمي الأخير لوزارة الصحة بغزة، والممتد في الفترة الواقعة بين يناير 2025 وأبريل 2026، قفزة مرعبة وغير مسبوقة في معدلات الإجهاض داخل القطاع، حيث ارتفعت الحالات بنسبة تجاوزت الـ 300% مقارنة بالأعوام التي سبقت العدوان.
وسجلت الإحصائيات الرسمية آلاف حالات الإجهاض المسجلة داخل المستشفيات ومراكز الرعاية الطبية، في حين تشير التقديرات إلى وجود مئات الحالات الأخرى غير الموثقة في مراكز النزوح والخيام نتيجة تعذر الوصول للمستشفيات.
وفي سياق متصل، سجل التقرير ارتفاعاً حاداً في ولادات الأجنة المشوهة خلقياً بنسبة بلغت 45% من إجمالي الولادات المحولة إلى أقسام العناية المركزة لحديثي الولادة، مع رصد تزايد مضطرد في ولادة أطفال يفتقرون إلى أجزاء من الدماغ أو يعانون من تشوهات في جدار البطن والعمود الفقري، مما يؤكد التدهور البيئي والرحمي الشامل في غزة.
