26.68°القدس
26.44°رام الله
25.53°الخليل
30.64°غزة
26.68° القدس
رام الله26.44°
الخليل25.53°
غزة30.64°
الجمعة 24 يوليو 2026
4.09جنيه إسترليني
4.33دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.5يورو
3.07دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.09
دينار أردني4.33
جنيه مصري0.06
يورو3.5
دولار أمريكي3.07
اسماعيل الريماوي

اسماعيل الريماوي

"سجن التماسيح"... عندما يتحول الكيان إلى دولة تحكمها غريزة الانتقام

لم يعد التطرف في إسرائيل يقتصر على الخطاب السياسي أو الحملات الانتخابية، بل أصبح يترجم إلى سياسات رسمية ومشاريع حكومية تعكس انحداراً أخلاقياً وانسانيا غير مسبوق، فالمشروع الذي أطلقه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، والمعروف باسم "سجن التماسيح"، ليس مجرد إجراء أمني كما تدعي الحكومة، وإنما هو تعبير صريح عن عقلية الانتقام والإذلال التي باتت تتحكم في صناعة القرار الإسرائيلي، وعن حكومة لا ترى في الفلسطيني سوى عدواً يستحق أقسى أشكال العقاب، حتى لو تعارض ذلك مع القانون والإنسانية.

وبدء أعمال الحفر في محيط سجن كتسيعوت، وتخصيص ملايين الشواكل لتنفيذ المشروع، وتعديل القوانين الخاصة بالحياة البرية لإتاحة استخدام التماسيح في المنشآت الأمنية، كلها مؤشرات على أن إسرائيل لا تتعامل مع الفكرة باعتبارها مزحة أو دعاية إعلامية، بل كمشروع رسمي يعكس توجهات الحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخها.

فالحكومة التي يقودها بنيامين نتنياهو، ويهيمن عليها وزراء من أقصى اليمين، لم تعد تخفي فلسفتها القائمة على العقاب الجماعي، وتجريد الفلسطيني من إنسانيته، وتحويله إلى هدف دائم للانتقام، ومنذ السابع من أكتوبر، تصاعدت الإجراءات العقابية بحق الأسرى الفلسطينيين بصورة غير مسبوقة، من الحرمان من الطعام والعلاج والزيارات، إلى الاعتداءات الجسدية والإذلال اليومي، وصولاً اليوم إلى التفكير في استخدام الحيوانات المفترسة كجزء من منظومة الردع.

إن فكرة إحاطة السجون بالتماسيح لا تضيف شيئاً إلى المنظومة الأمنية الإسرائيلية، التي تعد من أكثر المنظومات تطوراً في العالم، والمزودة بالكاميرات والأسوار الإلكترونية وأجهزة المراقبة وأبراج الحراسة، لذلك فإن الحديث عن "تعزيز الأمن" يبدو مجرد غطاء لسياسة هدفها الحقيقي بث الرعب النفسي وإرسال رسالة مفادها أن الفلسطيني لا يستحق حتى الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

وما يثير القلق أكثر هو أن مثل هذه المشاريع لا تجد رفضاً واسعاً داخل المجتمع الإسرائيلي، بل تحظى في كثير من الأحيان بتأييد قطاعات كبيرة من الرأي العام، خصوصاً داخل الأوساط اليمينية والقومية المتشددة التي ترى في كل إجراء ضد الفلسطينيين سبباً للاحتفاء، وقد أظهرت استطلاعات رأي متعددة خلال الحرب على غزة تأييداً واسعاً لتشديد الإجراءات العسكرية والعقابية، بما يعكس وجود دعم ملحوظ لسياسات أكثر صرامة تجاه الفلسطينيين، وإن كانت مواقف المجتمع الإسرائيلي ليست موحدة وتضم أيضاً أصواتاً معارضة لهذه السياسات، وهذا يكشف حجم التحول الذي أصاب الخطاب العام، حيث أصبحت الدعوات إلى الانتقام تحظى بقبول متزايد، بينما تتراجع الأصوات التي تدافع عن القانون وحقوق الإنسان.

إن هذا المناخ السياسي والاجتماعي هو الذي سمح لشخصيات مثل بن غفير وسموتريتش بالانتقال من هامش الحياة السياسية إلى قلب السلطة، فهذه الشخصيات لم تصنع وحدها هذا الواقع، بل جاءت نتيجة تحول أوسع داخل المجتمع الإسرائيلي منح الأحزاب اليمينية المتشددة ثقته، وأوصلها إلى مواقع القرار، الأمر الذي انعكس في سياسات أكثر قسوة تجاه الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس، وكذلك داخل السجون.

وليس من قبيل المصادفة أن يواجه مشروع "سجن التماسيح" اعتراضات من خبراء القانون والبيئة داخل إسرائيل نفسها، الذين أكدوا أن المشروع يفتقر إلى أي أساس علمي أو مهني، وأن تغيير تصنيف الحيوانات لأغراض أمنية قد يخالف الأطر القانونية القائمة، غير أن هذه الاعتراضات تبدو عاجزة أمام حكومة مستعدة لتغيير القوانين وتجاوز المؤسسات عندما يتعلق الأمر بتشديد العقوبات على الفلسطينيين.

إن أخطر ما في هذا المشروع ليس وجود التماسيح بحد ذاته، بل الفكرة التي يمثلها، فهو يعكس انتقال إسرائيل من دولة تدعي احترام القانون كما يقولون إلى سلطة تستخدم الترهيب والإذلال كوسائل رسمية لإدارة الصراع، كما يعكس تراجع الاعتبارات الأخلاقية أمام خطاب الكراهية، بحيث يصبح كل ما يحقق الانتقام مقبولاً، حتى وإن تعارض مع المواثيق الدولية واتفاقيات جنيف التي تحظر المعاملة القاسية أو المهينة للمعتقلين.

لقد أصبح واضحاً أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تكتفي بإدارة الصراع، بل تعمل على تأجيجه عبر سياسات تقوم على القوة المجردة، والعقوبات الجماعية، وتجريد الفلسطيني من إنسانيته، وعندما تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لإنتاج الخوف والإذلال، فإنها لا تبني أمناً دائماً، بل تؤسس لدورات جديدة من العنف والكراهية.

في المحصلة فإن مشروع "سجن التماسيح" ليس مجرد فصل جديد في سجل السياسات الإسرائيلية تجاه الأسرى الفلسطينيين، بل هو عنوان لمرحلة تتراجع فيها القيم الإنسانية أمام خطاب التطرف والانتقام، فالدولة التي تُسخِّر قوانينها ومؤسساتها لإضفاء الشرعية على وسائل ترهيب وتعذيب غير مسبوقة، إنما تكشف عن أزمة أخلاقية عميقة قبل أن تكشف عن قوة أمنية، أما استمرار الدعم الشعبي لسياسات أكثر تشدداً، رغم وجود أصوات إسرائيلية معارضة، فيعكس اتساع نفوذ خطاب اليمين المتطرف داخل المجتمع، والتاريخ يبين أن المجتمعات التي تسمح بتطبيع الإذلال ونزع الإنسانية عن الآخر لا تضمن لنفسها أمناً دائماً، بل تفتح الباب لمزيد من الصراع، فيما يبقى احترام الكرامة الإنسانية وسيادة القانون المعيار الحقيقي الذي تُقاس به حضارة الدول، لا قدرتها على ابتكار وسائل جديدة للانتقام.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن