25.57°القدس
25.33°رام الله
24.42°الخليل
28.41°غزة
25.57° القدس
رام الله25.33°
الخليل24.42°
غزة28.41°
الأربعاء 05 اغسطس 2026
4.05جنيه إسترليني
4.25دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.47يورو
3.01دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.05
دينار أردني4.25
جنيه مصري0.06
يورو3.47
دولار أمريكي3.01
اسماعيل الريماوي

اسماعيل الريماوي

غزة بين حصر السلاح وحصار الإنسان

بعد إعلان المقاومة موافقتها على مبدأ حصر السلاح، واستعدادها للعمل على تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة ضمن ترتيبات تضمن وقف الحرب وانسحاب الاحتلال، كان من المفترض أن تُفتح الطريق أمام الانتقال إلى مرحلة جديدة، تتراجع فيها آلة القتل، ويبدأ تنفيذ الالتزامات السياسية والإنسانية، ويجد سكان القطاع أخيرًا فرصة لالتقاط أنفاسهم بعد سنوات من الدمار والنزوح والجوع.

لكن ما يحدث على الأرض يكشف أن إسرائيل لا تتعامل مع الاتفاق بوصفه طريقًا لإنهاء الحرب، بل بوصفه أداة لفرض شروط جديدة وتوسيع السيطرة الميدانية، فبدل وقف القصف والقتل، تستمر العمليات العسكرية، وبدل الانسحاب والانتقال إلى المرحلة الثانية، يتقدم الاحتلال تدريجيًا، وتتغير حدود ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، لتتحول المنطقة التي يفترض أن تكون خطًا مؤقتًا للفصل إلى حدود متحركة تبتلع مزيدًا من الأرض وتدفع السكان إلى مساحات أصغر وأكثر اكتظاظً، وتشير تقارير ميدانية حديثة إلى أن تمدد مناطق السيطرة الإسرائيلية أدى إلى موجات نزوح متكررة، وأن الاحتلال بات يفرض سيطرة فعلية على جزء واسع من القطاع، مع استمرار الضغط على السكان للانتقال نحو مناطق محدودة.

وهنا يصبح السؤال: إذا كانت المقاومة قد أبدت استعدادًا لمناقشة قضية السلاح ضمن اتفاق شامل، فلماذا لا تتقدم إسرائيل نحو تنفيذ التزاماتها؟ ولماذا لا يتوقف القصف؟ ولماذا يستمر التوسع على الأرض بدل الانسحاب؟

الجواب الذي تفرضه الوقائع هو أن قضية السلاح قد لا تكون الهدف النهائي، بل أحد العناوين التي تُستخدم لإبقاء الحرب مفتوحة وتأجيل الاستحقاقات السياسية، فكلما اقترب الاتفاق من مرحلة تتطلب انسحابًا إسرائيليًا، تظهر شروط جديدة، وكلما قُدمت مرونة فلسطينية، ارتفع سقف المطالب الإسرائيلية، وهكذا يتحول الاتفاق من إطار متبادل للالتزامات إلى أداة لفرض استسلام تدريجي، بينما يبقى الاحتلال حرًا في مواصلة القتل وتغيير الجغرافيا وخلق وقائع يصعب التراجع عنها.

إن الزحف المتواصل للخط الأصفر لا يبدو مجرد إجراء أمني مؤقت، بل يحمل دلالات سياسية وديمغرافية خطيرة، فمع كل تقدم عسكري تُفقد عائلات جديدة منازلها، وتُدفع أعداد أكبر من الفلسطينيين نحو مناطق ساحلية ضيقة، في مشهد يعيد إنتاج فكرة حشر سكان غزة داخل نطاق محدود، بعد تدمير مدنهم ومخيماتهم وقطع الصلة بينهم وبين أراضيهم.

لم يعد الخطر يقتصر على تهجير الناس من حي إلى حي أو من مدينة إلى أخرى، بل يتمثل في تحويل قطاع غزة إلى مساحة محاصرة ومجزأة، يُدفع سكانها نحو أقصى الغرب، فيما تتوسع السيطرة الإسرائيلية على الأرض في الشرق والشمال والجنوب، وإذا استمر هذا المسار، فقد يصبح البحر آخر حدود الفلسطينيين، ليس لأن غزة انتهت جغرافيًا، بل لأن الاحتلال يعمل على تقليص المجال الذي يستطيع الفلسطيني أن يعيش فيه.

ومن هنا تبدو شعارات «الدفاع» و«الأمن» عاجزة عن تفسير كل ما يجري. فالدفاع لا يفسر تدمير المدن وإفراغ المناطق وتوسيع نطاق السيطرة، ولا يفسر استمرار القتل بعد إعلان الاستعداد لمناقشة قضية السلاح، ولا يبرر تحويل اتفاق يفترض أن يقود إلى الانسحاب إلى غطاء لتثبيت الاحتلال.

الأخطر أن هذه السياسة تتقاطع مع مشروع سياسي وأيديولوجي داخل إسرائيل يرى في غزة أرضًا قابلة لإعادة الاستيطان، فاليمين المتطرف لم يُخفِ خلال السنوات الماضية رغبته في إعادة المستوطنات إلى القطاع، واعتبر الحرب فرصة لإعادة تشكيل غزة ديمغرافيًا وجغرافيًا، لذلك فإن استمرار التهجير وتوسيع

مناطق السيطرة قد يفتح الطريق أمام تحويل بعض المناطق المفرغة إلى أحزمة عسكرية دائمة أو مناطق استيطانية مستقبلية.

وفي عام انتخابي، تتضاعف خطورة هذه الحسابات، فبنيامين نتنياهو يحتاج إلى المحافظة على تماسك معسكر اليمين، وإرضاء القوى المتطرفة التي ترى في استمرار الحرب وتوسيع السيطرة على غزة مكسبًا سياسيًا وأيديولوجيًا، وفي مثل هذه الظروف، قد يصبح الدم الفلسطيني جزءًا من المزايدات الانتخابية، وتتحول العمليات العسكرية والاستيطان في غزة إلى رسائل موجهة للناخب الإسرائيلي وجزءا من الحملات الانتخابية ، بينما تُؤجل فرص التهدئة لأن إنهاء الحرب قد يفرض أسئلة سياسية وقضائية وأمنية لا يريد نتنياهو مواجهتها.

كما أن صعود الخطاب المتطرف داخل المجتمع الإسرائيلي منح نتنياهو مساحة أوسع لمواصلة الحرب ، فقد أظهرت استطلاعات نُشر أن نسبة ثمانون بالمائة من الإسرائيليين أيدت تهجير وابادة سكان غزة، مما يعكس ان المشكلة ليست في شخص نتنياهو فقط ، بل في مجتمع أصبح أكثر سادية وتوحش وتلذذا بالقتل و الدم .

غزة لا تحتاج إلى اتفاق يُطلب من الفلسطينيين فيه تسليم كل أوراقهم، بينما يحتفظ الاحتلال بالسلاح والسيطرة وحرية القصف، ولا تحتاج إلى مرحلة ثانية تُنفذ من طرف واحد، بل إلى التزام تام يوقف العدوان، ويضمن الانسحاب، ويحمي السكان، ويمنع تحويل القطاع إلى منطقة محاصرة أو أرض مهيأة للاستيطان.

إن ما يجري اليوم يطرح حقيقة قاسية: قد لا تكون معركة غزة حول السلاح وحده، بل حول الإنسان والأرض والوجود، فحين يُدفع السكان نحو البحر، وتُبتلع المناطق تباعًا، وتُؤجل مراحل الاتفاق، ويستمر القتل رغم الحديث عن التهدئة، يصبح التهجير هو السياسة التي تتحرك خلف العناوين المعلنة.

وإذا لم يتدخل المجتمع الدولي لوقف تغيير الجغرافيا بالقوة، فقد يستيقظ العالم يومًا على غزة أصغر مساحة، وأكثر حصارًا، وأشد اكتظاظًا، بينما تكون إسرائيل قد فرضت واقعًا جديدًا تحت غطاء الأمن والاتفاقات.

فالخطر الحقيقي ليس أن يفشل الاتفاق فقط، بل أن يُستخدم الاتفاق لتمرير ما عجزت الحرب عن تحقيقه: تفريغ الأرض من سكانها، وحصر الفلسطينيين في أضيق مساحة ممكنة، وفتح الطريق أمام عودة الاستيطان إلى قطاع غزة من جديد.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن