ليست ظاهرة النينيو مجرد ارتفاع عابر في درجات حرارة المحيطات، بل واحدة من أبرز الظواهر المناخية التي يمكن أن تعيد رسم أنماط الطقس في مناطق واسعة من العالم، فتجلب الجفاف إلى أماكن، والأمطار الغزيرة إلى أماكن أخرى، وتؤثر في درجات الحرارة والعواصف والظروف الزراعية.
وتُعد النينيو جزءًا من ظاهرة مناخية أوسع تُعرف باسم "النينيو - التذبذب الجنوبي (ENSO)"، وهي سلسلة من حالات الاحترار والتبريد التي تحدث على طول خط الاستواء في المحيط الهادئ.
كيف تحدث الظاهرة؟
وتحدث النينيو، وهي مرحلة الاحترار، عندما تتراجع كمية المياه الباردة التي تصعد إلى سطح البحر قبالة سواحل أمريكا الجنوبية، ما يؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة سطح المحيط الهادئ، وبالتالي ارتفاع حرارة الغلاف الجوي فوقه. أما المرحلة المقابلة، التي تتسم بالتبريد، فتُعرف باسم لانينيا، ولها تأثيرات معاكسة في كثير من الحالات.
متى تحدث؟
وتظهر ظاهرتا النينيو ولانينيا عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، وتستمر النينيو في الغالب بين 9 و12 شهرًا، وإن كان من الممكن أن تمتد لعدة سنوات.
تؤثر النينيو ولانينيا في حركة الهواء والرطوبة حول العالم، وهو ما ينعكس على أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق مختلفة.
وبحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، فإن تطور ظروف النينيو يمكن أن يرتبط بأنماط مناخية شديدة وارتفاع في درجات الحرارة العالمية. ومع ذلك، لا تتشابه جميع حالات النينيو، ولذلك تبقى متابعة التوقعات المناخية ضرورية مع تطور الظاهرة.
تأثير كارثي للظاهرة
وتشير التجارب السابقة إلى أن بعض المناطق تصبح أكثر عرضة للجفاف خلال النينيو، بينما تواجه مناطق أخرى أمطارًا غزيرة. فقد تؤدي الظاهرة إلى جفاف شديد في أستراليا وإندونيسيا وأجزاء من جنوب آسيا وأمريكا الوسطى وشمال أمريكا الجنوبية، كما ساهمت في حالات سابقة في تفاقم الجفاف وانعدام الأمن الغذائي في جنوب وشرق أفريقيا.
وفي المقابل، قد تؤدي النينيو إلى زيادة هطول الأمطار في جنوب أمريكا الجنوبية، وجنوب الولايات المتحدة، والقرن الأفريقي، وآسيا الوسطى.
ولا تقتصر تأثيراتها على الأمطار والجفاف، إذ يمكن للمياه الدافئة المرتبطة بالظاهرة خلال صيف نصف الكرة الشمالي أن تؤدي إلى زيادة شدة الأعاصير المدارية في غرب المحيط الهادئ، في وقت قد تشهد فيه منطقة الأطلسي عددًا أقل من الأعاصير.
هل يغيّر المناخ تأثير النينيو؟
ترتفع درجات حرارة سطح البحار عمومًا بفعل تغير المناخ، وتشير بعض الأدلة إلى أن هذا الاحترار يمكن أن يؤثر في الطريقة التي تنعكس بها ظاهرتا النينيو ولانينيا على أنماط الطقس العالمية.
وكانت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية قد توقعت أن تصل درجات الحرارة العالمية إلى مستويات قياسية خلال السنوات الخمس المقبلة نتيجة تداخل تأثيرات تغير المناخ وظاهرة النينيو.
مخاطر متعددة
تختلف المخاطر المرتبطة بالنينيو من منطقة إلى أخرى. ففي بعض الأماكن، قد يكون الخطر الرئيسي هو الجفاف، بينما تواجه مناطق أخرى أمطارًا غزيرة وفيضانات، وهو ما ينعكس بدوره على الزراعة والأمن الغذائي والصحة العامة.
وفي القرن الأفريقي، على سبيل المثال، قد لا يعني انتهاء الجفاف عودة الأوضاع الزراعية إلى طبيعتها فورًا، إذ قد تحتاج مياه الأمطار إلى وقت حتى تتغلغل في التربة وتصل إلى النباتات عميقة الجذور، بما يسمح باستعادة الزراعة تدريجيًا.
وفي الإكوادور وبيرو، يمكن أن تؤدي الأمطار المرتبطة بالنينيو إلى تفاقم تفشي حمى الضنك بعد الفيضانات، بينما قد تؤثر الظروف الأكثر جفافًا المتوقعة في جنوب أفريقيا في مسار تفشي الكوليرا.
كما أن تأثير النينيو في الأعاصير قد يتداخل مع عوامل أخرى؛ فبينما تميل الظاهرة عادة إلى الحد من نمو الأعاصير المدارية في شمال الأطلسي، يمكن لارتفاع درجات حرارة سطح البحر بصورة غير معتادة في مناطق تشكل العواصف أن يحد من هذا التأثير.
ما تأثير الظاهرة على السودان؟
يواجه المزارعون في السودان موسمًا زراعيًا بالغ الصعوبة، مع تأخر هطول الأمطار وتراجع منسوب مياه النيل، في وقت تثقل فيه الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات كاهل القطاع الزراعي، وترتفع فيه تكاليف الوقود والأسمدة، وسط تحذيرات من تداعيات مناخية مرتبطة بظاهرة "إل نينيو".
وعلى ضفاف النيل التي انحسرت مياهها، يكافح مزارعون لتوفير المياه اللازمة لري محاصيلهم، فيما لجأ آخرون إلى إقامة صلاة الاستسقاء طلبًا للأمطار، بعدما ترك الجفاف مساحات زراعية واسعة متشققة وغير صالحة للزراعة.
ويرى عالم المناخ والهيدرولوجيا السوداني الفاتح الطاهر، الذي درس على مدى ثلاثة عقود العلاقة بين "إل نينيو" ونهر النيل في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أن الظاهرة ترتبط بصورة وثيقة بانخفاض منسوب النهر.
وبحسب أبحاثه، فإن بدء الظاهرة في أواخر الربيع، كما حدث هذا العام، يزيد احتمالات الجفاف في جنوب شرق السودان وشمال غرب إثيوبيا، حيث ينبع النيل الأزرق. وفقا لفرانس برس.
ومع تراجع المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج وتدهور الاقتصاد، ترك عدد كبير من المزارعين أراضيهم، فيما باتت نحو 65% من الأراضي الزراعية الشاسعة في السودان غير صالحة.
