في الحرب الناعمة، لا تحتاج إلى أن تقنع الناس بكذبة واحدة؛ يكفي أن تغرقهم في سيل من الأكاذيب والروايات المتناقضة حتى يعجزوا عن معرفة الحقيقة.
هذه هي خطورة التوهان.
تُنشر أخبار بلا مصادر، ومعلومات بلا دليل، وصور ومقاطع خارج سياقها، وتُخاطَب عواطف الناس ومخاوفهم وغضبهم. يتناقلها الناس بسرعة، فتتحول كثرة التداول إلى وهم المصداقية.
ثم تبدأ المرحلة الأخطر:
«لا نعرف من نصدق.»
وحين يفقد الناس ثقتهم بالمصادر والأشخاص والمؤسسات، لا يعود المطلوب منهم أن يؤمنوا برواية معينة؛ يكفي أن يفقدوا القدرة على الإيمان بأي رواية.
هنا يصبح المجتمع تائهًا.
والتوهان ليس مجرد جهل بالمعلومة؛ إنه شلل في القدرة على اتخاذ القرار. فالإنسان الذي لا يعرف الحقيقة لا يستطيع أن يحدد موقفه، والمجتمع الذي يفقد ثقته بكل من حوله يصبح عاجزًا عن الاتفاق على موقف أو قيادة أو مشروع.
وهذا أحد أخطر أهداف الحرب الناعمة:
ليس أن تعرف كذبة، بل ألا تعرف أين توجد الحقيقة.
في الماضي كان شعار الدعاية: «اكذب حتى يصدقك الناس». أما في عصر شبكات التواصل، فقد يصبح الشعار الأخطر:
«أغرق الناس بالمعلومات حتى لا يعرفوا شيئًا.»
لذلك، فإن مقاومة الحرب الناعمة تبدأ من سلوك بسيط: لا تنقل خبرًا قبل أن تتحقق من مصدره. لا تجعل غضبك أو خوفك أو رغبتك في تصديق الخبر بديلًا عن الدليل.
فكل خبر مجهول المصدر تعيد نشره، قد يكون لبنة جديدة في بناء التوهان.
اسأل عن المصدر. تحقق من المعلومة. وإذا لم تتأكد، فلا تنشر.
لأن المعركة في الحرب الناعمة ليست فقط على الأرض، ولا على الشاشات؛
إنها معركة على وعي الإنسان.
وأخطر ما يمكن أن يحدث لشعب ليس أن يُهزم، بل أن يفقد القدرة على معرفة الحقيقة، ثم يفقد القدرة على الفعل.
حينها يصبح التوهان سلاحًا… ويصبح الصمت والعجز نتيجةً للحرب.
