24.41°القدس
24.12°رام الله
23.06°الخليل
28.44°غزة
24.41° القدس
رام الله24.12°
الخليل23.06°
غزة28.44°
الجمعة 28 اغسطس 2026
4.03جنيه إسترليني
4.18دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.46يورو
2.97دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.03
دينار أردني4.18
جنيه مصري0.06
يورو3.46
دولار أمريكي2.97

المقاوم قيس البيطاوي.. من أزقة مخيم جنين إلى قائمة المطلوبين والاغتيال

Capture9.JPG
Capture9.JPG

لم يكن اسم قيس البيطاوي معروفًا على نطاق واسع خارج جنين ومخيمها، قبل أن يتحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد الأسماء التي تلاحقها أجهزة أمن الاحتلال في شمال الضفة الغربية.

سنوات من التخفي والمطاردة ومحاولات الوصول إليه انتهت عصر اليوم الجمعة بقصف جوي إسرائيلي استهدف منزلًا في حي حرش السعادة بمدينة جنين، وأسفر عن استشهاده إلى جانب اثنين من مرافقيه.

هكذا انتهت رحلة شاب من أبناء مخيم جنين، ارتبط اسمه بالمقاومة في المدينة، في وقت كانت فيه جنين تتحول تدريجيًا إلى واحدة من أكثر ساحات المواجهة سخونة مع الاحتلال في الضفة الغربية.

لكن قصة البيطاوي لا تختصرها الغارة الأخيرة؛ فهي جزء من مسار أطول، تداخلت فيه ظاهرة المقاومة في جنين مع العمليات العسكرية الإسرائيلية المتكررة، والاغتيالات والملاحقات الأمنية، ومحاولات الاحتلال تفكيك التشكيلات المقاومة في شمال الضفة.

ابن المخيم

ينحدر قيس البيطاوي من مخيم جنين، الذي شكّل خلال السنوات الماضية إحدى أبرز بؤر المقاومة المسلحة في الضفة الغربية.

وفي بيئة المخيم، التي شهدت منذ الانتفاضة الثانية مواجهات دامية مع قوات الاحتلال، برزت خلال السنوات الأخيرة تشكيلات مسلحة جديدة، أعادت إلى جنين موقعها كواحدة من أبرز ساحات الاشتباك في الضفة.

وبحسب مصادر محلية، برز اسم البيطاوي تدريجيًا في المشهد المقاوم في جنين، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز المطلوبين لقوات الاحتلال في المنطقة.

في صفوف كتائب القسام

وتؤكد مصادر محلية، ارتباط البيطاوي بكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، في جنين، وتولى لاحقًا موقعًا قياديًا في الكتائب بالمدينة، خصوصًا بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت قادة مجموعات المقاومة في جنين ومخيمها.

وتعززت مكانة البيطاوي داخل المشهد المقاوم، وفق المصادر ذاتها، مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في شمال الضفة، وتحوّل جنين ومخيمها إلى ساحة مفتوحة للمواجهة والملاحقة.

وفي المقابل، قدّمت المصادر الإسرائيلية البيطاوي باعتباره هدفًا أمنيًا بارزًا.

ونقل الصحفي الإسرائيلي أمير بوخبوط عن مصدر أمني أن الهدف الرئيسي من العملية في جنين كان قائد كتائب القسام في المدينة، والذي اتهمه المصدر بالمسؤولية عن عمليات تفجير ناقلات جنود وإطلاق النار على قوات الاحتلال، مشيرًا إلى أنه مطلوب لجهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" منذ عدة سنوات.

سنوات في دائرة المطاردة

لم تكن عملية اغتيال البيطاوي مفاجئة من حيث كونه هدفًا للاحتلال، حسب مصادر محلية، الذي خضع لملاحقة أمنية إسرائيلية ومن أجهزة أمن السلطة استمرت سنوات، ونجا من محاولات سابقة للوصول إليه.

واستخدم الاحتلال في ملاحقة المطلوبين في جنين ومخيمها خلال السنوات الأخيرة مزيجًا من الاقتحامات البرية، والقوات الخاصة، وعمليات الاعتقال، والاستهداف الجوي.

وبحسب المصادر المحلية، تعرض البيطاوي خلال فترة المطاردة لمحاولات استهداف وملاحقة، وتمكن في أكثر من مناسبة من الإفلات من قبضة الاحتلال ومواصلة التخفي.

وكانت هذه العمليات تستهدف بصورة خاصة قادة ومطلوبين تتهمهم إسرائيل بالوقوف خلف عمليات إطلاق النار والعبوات الناسفة ضد قواتها ومستوطنيها.

وفي حالة البيطاوي، أصبحت المطاردة جزءًا من مسار حياته خلال السنوات الأخيرة، قبل أن يتمكن الاحتلال من تحديد موقعه واستهدافه من الجو.

ما الذي اتهمه الاحتلال به؟

بحسب الرواية الأمنية الإسرائيلية، كان البيطاوي مسؤولًا عن نشاط مسلح في منطقة جنين، واتُهم بالوقوف خلف عمليات إطلاق نار وتفجير عبوات استهدفت قوات الاحتلال وناقلات جنود.

كما قالت مصادر إسرائيلية إن جهاز الأمن العام "الشاباك" كان يلاحقه منذ عدة سنوات، وإنه كان يمثل هدفًا أمنيًا ذا أولوية.

أما الصحفي الإسرائيلي عميت سيغال، فنقل عن مصادر إسرائيلية أن المستهدف في الغارة الأخيرة كان يحاول التوجه لتنفيذ عملية إلى جانب عدد من مساعديه.

وتبقى هذه الاتهامات في إطار الرواية الإسرائيلية، ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من تفاصيلها.

قائد بعد اغتيال قادة جنين

جاء صعود اسم البيطاوي في مرحلة شهدت فيها جنين سلسلة من الاغتيالات الإسرائيلية التي طالت قيادات بارزة في مجموعات المقاومة.

وبحسب مصادر محلية، تولى البيطاوي قيادة كتائب القسام في جنين بعد اغتيال عدد من القادة الميدانيين، قبل أن يصبح بدوره هدفًا رئيسيًا للملاحقة الإسرائيلية.

وخلال السنوات الأخيرة، اتبع الاحتلال سياسة تقوم على استهداف القادة الميدانيين والمجموعات المسلحة في شمال الضفة، في محاولة لضرب بنيتها التنظيمية ومنعها من إعادة تشكيل نفسها.

وفي جنين تحديدًا، لم تقتصر المواجهة على الاعتقالات والاقتحامات، بل شملت عمليات عسكرية واسعة واستخدام الطائرات في عمليات الاستهداف، والملاحقة والتعذيب من قبل أجهزة السلطة.

ونوهت المصادر المحلية إلى أن قيس كانت السلطة تطارده وتحاول تشويه سمعته وتعتبره ابرز مطلوب لها في جنين، عقب حملتها التي استهدفت المقاومة وحاضنتها الشعبية في مخيم جنين.

وبحسب الإعلام الإسرائيلي، كان البيطاوي هو القائد الجديد لكتيبة جنين بعد اغتيال قائدها السابق خلال العملية العسكرية الإسرائيلية التي حملت اسم "السور الحديدي".

وهنا تبرز دلالة اغتياله؛ فاستهداف قائد جديد بعد اغتيال سلفه يعكس طبيعة الصراع المتواصل على قيادة المجموعات المسلحة، وقدرتها على إعادة تشكيل نفسها بعد كل ضربة إسرائيلية.

لماذا كان الاستهداف جويًا؟

اختيار سلاح الجو في عملية اغتيال البيطاوي يحمل دلالة عسكرية وأمنية.

فالاستهداف من الجو يتيح للجيش الإسرائيلي ضرب هدف محدد دون تنفيذ اقتحام بري مباشر للموقع، وهو ما يقلل، من الناحية العسكرية، احتمال تعرض القوات المهاجمة للاشتباك المباشر.

وفي السنوات الأخيرة، توسع الاحتلال في استخدام الطائرات والطائرات المسيّرة في استهداف مطلوبين في شمال الضفة، خصوصًا في جنين وطولكرم ومخيماتهما.

وجاءت الغارة الأخيرة لتؤكد أن خيار الاستهداف الجوي لا يزال حاضرًا في التعامل الإسرائيلي مع قادة ومطلوبين في الضفة الغربية.

جنين.. ساحة مفتوحة للمطاردة والاغتيال

يصعب قراءة سيرة قيس البيطاوي بعيدًا عن سيرة جنين نفسها.

فالمدينة ومخيمها تحولا خلال السنوات الأخيرة إلى مسرح متواصل للملاحقة والاقتحامات والاشتباكات والاغتيالات.

كلما اغتالت إسرائيل قائدًا أو اعتقلت مجموعة من المسلحين، ظهرت مجموعات وأسماء جديدة، في ظاهرة تعكس تعقيد المواجهة المسلحة في شمال الضفة وصعوبة حسمها عبر الضربات الأمنية وحدها.

ولهذا، فإن اغتيال البيطاوي لا يعني بالضرورة نهاية التشكيل الذي ارتبط اسمه به، بقدر ما يمثل حلقة جديدة في صراع مستمر بين الاحتلال والمجموعات المسلحة في جنين.

نهاية المطاردة.. وبداية سؤال جديد

انتهت سنوات مطاردة قيس البيطاوي بغارة جوية، لكن العملية تفتح سؤالًا أوسع من مصير شخص واحد:

هل تستطيع إسرائيل، عبر الاغتيالات والملاحقات، إنهاء البنية المسلحة في جنين، أم أن كل اغتيال يترك فراغًا سرعان ما يجري ملؤه بقيادات جديدة؟

فالتجربة التي عاشتها جنين خلال السنوات الماضية تشير إلى أن المواجهة لم تعد مرتبطة بأسماء محددة فقط، وإنما باتت مرتبطة ببنية مقاومة قادرة على إعادة تشكيل نفسها بعد الضربات، وفق قراءة مصادر محلية ومتابعين للمشهد في المدينة.

وبينما تعتبر إسرائيل اغتيال البيطاوي ضربة لقيادة المقاومة في جنين، فإن المدينة ومخيمها يواصلان حمل إرث طويل من المواجهة، في مشهد يبدو أن نهايته لا تزال بعيدة.

المصدر: فلسطين الآن