25.13°القدس
24.85°رام الله
23.96°الخليل
30.08°غزة
25.13° القدس
رام الله24.85°
الخليل23.96°
غزة30.08°
الأحد 30 اغسطس 2026
4.03جنيه إسترليني
4.2دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.45يورو
2.98دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.03
دينار أردني4.2
جنيه مصري0.06
يورو3.45
دولار أمريكي2.98

تقارير "فلسطين الآن"..

من مآذن جباليا إلى محراب الخلود.. السيرة التاريخية والزمنية لـ "أبو عبيدة" مهندس الإعلام المقاوم

خاص-فلسطين الآن

تحل اليوم الذكرى السنوية لرحيل فارس الإعلام المقاوم، وصوت الأمة الهادر، القائد حذيفة سمير الكحلوت "أبو عبيدة"، الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذي ترجل بعد مسيرة دؤوبة دامت لأكثر من عقدين من الزمن صاغ خلالها مدرسة فريدة في الحرب النفسية وأدوات المواجهة الإعلامية.

لم يكن أبو عبيدة يوماً مجرد متحدث عسكري تقليدي يلقي بياناً مقتضباً وسط أزيز الرصاص، بل تحول بكوفيته الحمراء الملثمة، وبلاغته المستمدة من آيات الذكر الحكيم، إلى أيقونة عالمية للحرية ومقارعة الظلم والغطرسة الصهيونية.

تفتح "وكالة فلسطين الآن" في هذا التقرير الإخباري والزمني الموسع الدفاتر المضيئة في مسيرة هذا القائد الفذ، متتبعة خطى صوته وبياناته منذ الظهور الأول على منابر غزة، مروراً بأبرز المحطات الإستراتيجية، ووصولاً إلى لحظة الشهادة والارتقاء إلى علياء المجد.

مخيم جباليا يصنع فارس الوعي..

ولد حذيفة سمير الكحلوت عام 1984 لعائلة فلسطينية مجاهدة هُجّرت من قريتها الأصلية "نعليا" القريبة من مدينة المجدل إبان نكبة عام 1948، لتستقر في مخيم جباليا الصامد بشمال قطاع غزة.

ونشأ حذيفة في أزقة هذا المخيم النابض بالثورة والذي شهد شرارة الانتفاضة الأولى، وحفظ القرآن الكريم في مساجدها منذ صغره، ملتحقاً بالكتلة الإسلامية، الإطار الطلابي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس).

واصل القائد الشهيد مسيرته الأكاديمية بتفوق ملحوظ، وحصل على درجة الماجستير من كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة عام 2013 عن رسالته الموسومة بـ "الأرض المقدسة بين اليهودية والمسيحية والإسلام"، ما عكس بوضوح الخلفية الفكرية والعقائدية والتاريخية الرصينة للرجل الذي بات لاحقاً قاموس المقاومة الفصيح وموجه خطاباتها الإستراتيجية.

الظهور الإعلامي الأول "أيام الغضب"..

في أكتوبر من عام 2004، ووسط تصدي المقاومة الباسلة للاجتياح الصهيوني الواسع لشمال قطاع غزة والمعروف بمعركة "أيام الغضب"، أطل "أبو عبيدة" للمرة الأولى في مؤتمر صحفي عقده من داخل مسجد "النور" بمخيم جباليا.

في ذلك الحين، ظهر مرتدياً عصبة كتائب القسام الخضراء وعلى وجهه قناع أسود، ليعرض بقايا آليات الاحتلال المدمرة والأسلحة التي غنمها واستخدمها المجاهدون في صد العدوان.

ومع الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة عام 2005، اعتُمد القائد رسمياً ناطقاً باسم كتائب القسام، وبدأ يطور من الهوية البصرية للإعلام العسكري متلثماً بالكوفية الفلسطينية الحمراء، ليعيد صياغة السردية الإعلامية القائمة على الصدق والتوثيق الحي في مواجهة رواية العدو المضللة.

عملية "الوهم المتبدد" وإدارة ملف الجندي "جلعاد شاليط"

شهد صيف عام 2006 نقلة نوعية في حضور أبو عبيدة الإقليمي والدولي؛ فإثر العملية النوعية لكتائب القسام وخلفها فصائل المقاومة خلف خطوط العدو والتي عُرفت بـ "الوهم المتبدد"، تصدر الملثم المشهد الإعلامي ليزف للأمة نجاح المقاومة في أسر الجندي الصهيوني "جلعاد شاليط" من داخل دبابته شرق رفح.

وعلى مدار خمس سنوات كاملة من المفاوضات الشاقة وغير المباشرة، أدار أبو عبيدة هذا الملف بحنكة واقتدار بالغين عبر سلاح الإعلام المقاوم، واضعاً شروط المقاومة بصلابة أمام غطرسة قادة الاحتلال، حتى تكللت المسيرة في أكتوبر 2011 بإبرام صفقة "وفاء الأحرار" التاريخية التي تحرر بموجبها أكثر من ألف أسير وأسيرة من سجون الاحتلال، وسط احتفاء شعبي عارم بصوت الملثم الوفي.

معارك غزة وصناعة معادلات الردع والصدق النفسي..

توالت المعارك والحروب التي شنها الاحتلال على قطاع غزة، وفي كل مواجهة كانت بيانات أبو عبيدة تمثل الركيزة الأساسية للحرب النفسية وتوجيه الجبهة الداخلية للعدو والصديق على حد سواء. ففي معركة "الفرقان" عام 2008 ومعركة "حجارة السجيل" عام 2012، قاد الخطاب الإعلامي الذي فضح ارتباك الاحتلال.

وجاءت المحطة الأبرز في معركة "العصف المأكول" صيف عام 2014، حينما هز أبو عبيدة الكيان الصهيوني من جذوره بإعلانه الشهير في خطاب متلفز عن أسر الجندي الصهيوني "شاؤول أرون" في حي التفاح شرق غزة، مستعرضاً رقمه العسكري، وهو ما شكل صدمة مدوية للمؤسسة العسكرية الصهيونية التي كانت تحاول إخفاء الحقيقة عن جمهورها.

معركة "سيف القدس"..

في مايو من عام 2021، قادت كتائب القسام معركة "سيف القدس" دفاعاً عن المسجد الأقصى المبارك وأهالي حي الشيخ جراح، وخلال هذه المعركة رسخ أبو عبيدة معادلة ارتباط غزة بالقدس المحتلة بكلمات حاسمة.

وصارت عبارته الآمرة بقصف "تل أبيب" وعمق الكيان أمراً مقدساً يلتزم به المستوطنون بالهروب الفوري إلى الملاجئ، في مظاهرة عملية غير مسبوقة على حجم الردع النفسي وثقة جمهور العدو بمصداقية المقاومة الفلسطينية في مقابل أكاذيب ناطقيهم العسكريين.

طوفان الأقصى والتحول إلى أيقونة تحرر عالمية..

مع انطلاق معركة "طوفان الأقصى" المباركة في السابع من أكتوبر عام 2023، دخلت الظاهرة الإعلامية لأبو عبيدة مرحلة تاريخية استثنائية.

وتحلت خطاباته الدورية التي تبثها المنصات الرسمية للمقاومة بصبغة الحدث الكوني؛ إذ كانت كبرى القنوات الفضائية ووكالات الأنباء الدولية تقطع بثها المعتاد لنقل كلماته فوراً وبشكل مباشر.

وصاغ القائد خلال هذه المعركة عبارات حُفرت في الوعي الجماعي مثل نداء الوفاء للحاضنة الصابرة "يا أهلنا ويا تيجان رؤوسنا"، وسخريته من آليات الاحتلال وجنوده الذين يُستهدفون "بقذائف الياسين وصناعة المجاهدين من مسافة الصفر"، مؤكداً بطلان كل المزاعم الصهيونية حول تحقيق إنجازات عسكرية في الميدان.

الإطلالة الأخيرة..

في تاريخ 18 يوليو من عام 2025، أطل الشهيد القائد "أبو عبيدة" في كلمته المصورة الأخيرة التي قدم فيها جردة حساب موسعة وإستراتيجية لمسار المعارك بعد أشهر طويلة من التضحيات ومحاولات الاحتلال المستمرة لفرض التهجير والاستسلام على شعبنا.

وأكد في هذا الخطاب التاريخي على جاهزية المقاومة التامة لخوض "معركة استنزاف طويلة" ومؤلمة للعدو، كاشفاً عن إحباط العديد من عمليات الأسر وجاهزية المجاهدين العالية في العقد القتالية.

وختم القائد كلمته بعبارته المؤثرة "أنتم خصومنا أمام الله"، موججهاً الحجة التاريخية والدينية للأمتين العربية والإسلامية للتحرك الفعلي لنصرة المسجد الأقصى المبارك.

نيل الأمنية المشتهاة..

في الثلاثين من أغسطس عام 2025، نال القائد حذيفة سمير الكحلوت ما كان يرجوه ويدعو إليه دوماً في ختام بياناته بعبارة "إنه لجهاد.. نصر أو استشهاد".

وارتقى أبو عبيدة شهيداً مقبلاً غير مدبر جراء غارة جوية صهيونية غادرة استهدفت بناية سكنية كان يتواجد فيها في حي الرمال بقلب مدينة غزة.

ولم يكن القائد وحده في معراج الشهادة، بل ارتقى مجاهداً صابراً مع عائلته المباركة المكونة من زوجته وثلاثة من أبنائه، ليلتحم بدمائه الزكية مع تضحيات أبناء شعبنا الأبرار، مسجلاً نهاية مشرفة ومقدسة لجسد المقاتل وبداية خالدة متجددة للفكرة التي حملها ونشرها في قلوب الأحرار.

البيان العسكري المهيب..

التزاماً بالسياسة التنظيمية والأمنية الدقيقة لكتائب القسام، آثرت المقاومة إرجاء الإعلان عن شهادته لعدة أشهر لإتمام الترتيبات العسكرية الداخلية وإدارة المعركة الميدانية دون إعطاء العدو نصراً وهمياً.

وفي ظهر يوم الاثنين الموافق 29 ديسمبر عام 2025، خرج الإعلام العسكري في بيان رسمي مهيب ليزف إلى الأمة الإسلامية استشهاد قائد الإعلام العسكري والناطق الرسمي حذيفة سمير الكحلوت "أبو عبيدة"، معلناً للمرة الأولى عن اسمه الحقيقي وكنيته داخل التنظيم "أبو إبراهيم".

وجاء الإعلان مرافقاً لزف كوكبة من القادة الأبرار؛ وفي مقدمتهم القائد الكبير محمد السنوار (رئيس أركان الكتائب)، ومحمد شبانة "أبو أنس" (قائد لواء رفح)، وعدد من قادة التصنيع والتطوير العسكري.

وفي ذات الإعلان، قدمت الكتائب ناطقها العسكري الجديد الذي تقدم حمل ذات اللقب "أبو عبيدة"، مؤكدة أن الراية لن تسقط، وأن مسيرة الإعلام المقاوم باقية ومستمرة بدم الشهداء.

غياب الجسد وخلود المنهج الإعلامي المقاوم..

في الذكرى السنوية لرحيل هذا الصوت الهادر أثبتت بالدليل القاطع أن "أبو عبيدة" لم يكن مجرد شخص عابر، بل كان وما زال مدرسة فكرية وعقيدة إعلامية راسخة لا تزول بزوال الأجساد. ستبقى عباراته الخالدة، من "إنه لجهاد.. نصر أو استشهاد" إلى الكلمات التي دك بها عروش الطغاة والمنبطحين، محفورة في قاموس العزة والكرامة الفلسطيني والعربي والمقاوم.

غاب جسد الفارس الملثم في معركة الدفاع عن الأمة ومقدساتها، لكن الكلمة الرصاصة التي أطلقها لا تزال تدوي في فضاء الوعي، معلنة للاحتلال وأعوانه أن المقاومة فكرة، والفكرة باقية، تقاتل وتنتصر حتى يكتب الله لشعبنا فرجاً ونصراً مؤزراً، ويرفرف علم الحرية فوق مآذن المسجد الأقصى المبارك وكل ربوع وطننا المحرر.
 

المصدر: فلسطين الآن