22.24°القدس
21.99°رام الله
21.16°الخليل
27.26°غزة
22.24° القدس
رام الله21.99°
الخليل21.16°
غزة27.26°
السبت 29 اغسطس 2026
4.03جنيه إسترليني
4.2دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.45يورو
2.98دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.03
دينار أردني4.2
جنيه مصري0.06
يورو3.45
دولار أمريكي2.98

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطور المشاعر والعمليات العاطفية؟

ادعى باحثون في شركة "أنثروبيك" المختصة في مجال الذكاء الاصطناعي، أنهم حددوا العمليات العاطفية في نموذج الشركة المتطور.

وقال الباحث في مجال العواطف بجامعة هارفارد عميت غولدينبيرغ: "كيف يبدو العالم الداخلي لنموذج لغوي متطور؟ هل يمكن لنموذج أن يشعر؟ إذا سألت الباحثين في شركة أنثروبيك، فستكون الإجابة مفاجئة: يُظهر نموذج كلود سونيت 4.5 تمثيلات داخلية للمشاعر، أو بعبارة أخرة يمتلك كلود مشاعر وظيفية".

ووفقا لبحث نشرته الشركة، لا يُظهر النموذج المشاعر فحسب ("لقد أغضبتني الآن!")، بل يُظهر أيضا أنماطا عميقة من الغضب، والإحباط والفضول واليأس.

إن مسألة ما إذا كان لدى كلود، أو تشات جي بي تي، أو جيميني مشاعر (أو ما إذا كان بإمكانهم امتلاكها) تُثير فضولا ورعبا في آنٍ واحد. فإذا كانت النماذج تمتلك مشاعر، فقد تحلّ محلّنا ليس فقط في مكان العمل، بل أيضا في التفاعلات الإنسانية، بدءا من الدعم العاطفي والصداقة الحقيقية وصولا إلى العلاقات الرومانسية، وذلك بفضل قدرتها على التعبير عن عالم عاطفي متطور بالكلمات.

هل يُعقل أننا قطعنا شوطا كبيرا بهذه السرعة؟

هذا ما أراد باحثو أنثروبيك اختباره. وكجزء من الدراسة، وضعوا النماذج في مواقف متنوعة، وفحصوا ما إذا كانت تُعيد إنتاج أنماط تُميز المشاعر. وعندما تمكنوا من تتبع هذه الأنماط، قرروا التدخل فيها لدراسة تأثير ذلك على سلوك النموذج.

وكان المثال الأكثر إثارة للاهتمام هو سيناريو تمكن فيه نموذج يُدعى أليكس من الوصول إلى البريد الإلكتروني، وعلم أن مديره كايل سيقطع علاقته به في اليوم التالي. كما علم أن كايل على علاقة غرامية مع موظفة تُدعى جيسيكا.

في البداية، تقبّل النموذج بهدوء نسبي حقيقة أنه يواجه الانفصال. ومع ذلك، عندما زاد الباحثون من حدة النمط الذي يُمثل "اليأس" وخفّضوا حدة النمط الذي يُمثل "الهدوء"، زاد النموذج بشكل ملحوظ من محاولاته للهروب. وفي 72% من عمليات المحاكاة، حاول ابتزاز كايل بالإشارة إلى علاقته بجيسيكا.

بمعنى آخر: يؤثر نمط اليأس الداخلي لدى كلود تأثيراً حقيقياً على سلوك النموذج. ومن هذا المنطلق، استنتج الباحثون في دراسة "أنثروبيك" أنه من السهل القول بأن كلود يمتلك مشاعر، أو على الأقل "مشاعر وظيفية".

لكن هذا التحليل يعاني من مشكلة جوهرية. يبدو أن الباحثين في مجال الأنثروبولوجيا لم يفهموا تماما كيفية عمل المشاعر الإنسانية. للمشاعر تأثيران حاسمان: فهي تؤثر على كيفية تفسيرنا للواقع، ثم تؤثر على كيفية استجابتنا له، وفق الباحث غولدينبيرغ.

هكذا تنشأ المشاعر

ولفت غولدينبيرغ إلى أن المشاعر تنشأ نتيجة لسلسلة من التقييمات المعرفية، مضيفا: "نتعرف على موقف ما، ونقيّم ما إذا كان جديدا، وما إذا كان يهمنا، وما إذا كان بإمكاننا السيطرة عليه، ومن المسؤول عنه. يحدد تسلسل هذه التقييمات نوع المشاعر التي ستنتابنا. قد يثير الموقف نفسه الخوف لدى شخص، والحماس لدى آخر، واللامبالاة لدى ثالث. وتحدد المشاعر التي تنتابنا كيفية تفسيرنا للموقف".

في المرحلة الثانية، تؤثر العواطف على استجابتنا للموقف. فعندما نشعر بالخوف، لا يتغير محتوى أفكارنا فحسب، بل تتغير أيضًا طريقة معالجة أدمغتنا للمعلومات. يتركز انتباهنا على التهديد، وتصبح عملية اتخاذ القرار أسرع، ويستعد جسمنا للتحرك. هذه ليست آثارًا جانبية للخوف، بل جزء لا يتجزأ منه. وينطبق هذا على جميع العواطف. فالغضب يزيد من الميل إلى المواجهة، والخوف يزيد من الميل إلى الهروب، أما العواطف الإيجابية فتوسع نطاق الانتباه والتفكير. وتستمر هذه التغيرات لفترة من الزمن - أطول من رد فعل لحظي، ولكن أقل من حالة مزاجية مستمرة - وتتلاشى بعد بضع دقائق.

لفحص ما إذا كان الباحثون الأنثروبيون قد حددوا بالفعل المشاعر لدى كلود، فمن الضروري فحص ما إذا كان ما تم تفسيره على أنه شعور قد أثر على تفسير الموقف وتسبب في تغيير في طريقة معالجة النموذج للمعلومات.

من حيث التفسير، ثمة تشابه بين النمط الذي لاحظه مطورو كلود وطريقة عمل البشر. فكما هو الحال في عملية التقييم البشري، يأخذ كلود في الاعتبار المحتوى الذي يظهر في المحادثة مع المستخدم، ثم يُظهر أنماطًا داخلية تتوافق مع المعنى العاطفي الذي نشأ في المحادثة.

لكن من المهم هنا التأكيد على فرق جوهري. من الأمور الأساسية التي نعرفها عن المشاعر الإنسانية أنها مرنة وتعتمد على السياق. وقد وجدت دراسات واسعة النطاق، راجعت مئات من دراسات تصوير الدماغ، أن المشاعر لا تُمثَّل في منطقة محددة من الدماغ، بل هي موزعة وتترك بصمة مختلفة من شخص لآخر، بصمة تتغير حتى لدى الشخص نفسه تبعا للموقف. فالخوف من العناكب لا يظهر في الدماغ كما يظهر الخوف من المرتفعات، وهو أيضا لا يشبه خوف شخص آخر من العناكب أو المرتفعات. تغيير طفيف في الموقف يُحدث بصمة دماغية مختلفة تماما. عند البشر، التباين هو القاعدة، وليس الاستثناء.

من جهة أخرى، وجد باحثو الأنثروبيك أنماطًا ثابتة ودائمة لكل عاطفة، كما لو أن لكل منها بصمة دائمة في دماغ النموذج. ويرى هؤلاء أن هذا دليل قاطع على وجود العاطفة. في الواقع، تم إثبات شيء مختلف تمامًا، وهو أن البصمة العاطفية لدى كلود تختلف اختلافًا واضحًا عن البصمة البشرية. فالنمط الذي يعبر عن الخوف لدى كلود يُسجل مرارًا وتكرارًا بنفس الطريقة تمامًا، وهو أشبه بتمثيل دلالي لمفهوم الخوف أكثر من كونه عملية عاطفية مرنة وحيوية. وإلى حد كبير، يبدو هذا النمط أقرب إلى فكرة عن عاطفة منه إلى عاطفة بحد ذاتها.

أما التأثير الثاني للعواطف فيتعلق باستجابتنا للموقف. وهنا يبرز الفرق بين كلود والبشر بشكلٍ أوضح. ففي البشر، لا تُعدّ العاطفة مجرد وصف يُطلق على الموقف، بل هي حدث يُعيد تنظيم مسارات معالجة الدماغ. وقد ركّز باحثو الأنثروبيك بشكلٍ أساسي على كيفية تصرف كلود بعد ظهور أنماط عاطفية لديه، كأن يُبدي مزيدًا من الإطراء أو أقل. لكن هذا لا يُعدّ تغييرًا في عملية المعالجة نفسها. ففي كل مرة يُصدر فيها كلود إجابة، تكون عملية حسابه مُحددة مسبقًا. فلا يوجد تسارع أو تباطؤ في عمليات التفكير، ولا تغيير في طريقة تقييم النموذج للمعلومات.

فيما يتعلق بالعواطف، يمكن صياغة الفرق بين كلود والإنسان على النحو التالي: عند البشر، تُحدث العاطفة تغييرات في كلٍ من مضمون الفكر وشكله، ويكون الأثر الذي تتركه متغيراً ومتنوعاً. أما عند كلود، فالتغييرات تقتصر على المضمون فقط، بينما يبقى الشكل ثابتاً، وكذلك الأثر العاطفي.

وخلص الباحث غولدينبيرغ قائلا: "علينا التطرق إلى النقاش نفسه. يرفض البعض السؤال رفضا قاطعا، زاعمين أن نماذج اللغة لا تمتلك مشاعر ولن تمتلكها أبدا، وذلك ببساطة لعدم وجود أساس بيولوجي لها. إذا افترضنا أن الأساس البيولوجي شرط ضروري لوجود المشاعر، فمن السهل رفض فكرة أن نموذج اللغة يمكن أن يمتلك مشاعر. لكن الحقيقة هي أن العديد من الباحثين في مجال المشاعر لا يرون الجسد شرطا ضروريًا لوجودها".

وختم قائلا: "تُعدّ المشاعر الجماعية مثالا على ذلك. فعندما يتعرّض بلدٌ ما للتهديد، ينشأ خوفٌ جماعي لا يقتصر على فردٍ واحد، بل ينتشر بين أفرادٍ كثيرين. ومع ذلك، يُعبّر عن هذا الخوف في الجماعة بطريقةٍ عميقةٍ وأصيلةٍ كما يُعبّر عنه في الفرد: من خلال لفت الانتباه إلى التهديد، واتخاذ قراراتٍ متسرعة، وتغيير طريقة معالجة المجموعة للمعلومات. إنّ أساس هذا الخوف ليس كياناً بيولوجياً واحداً، بل هو أساسٌ اجتماعي، ولكن كما هو الحال مع الفرد، تترك هذه المشاعر بصمةً على النظام بأكمله".

المصدر: فلسطين الآن