لم تعد الفاشية الصهيونية ومشاريع التطهير العرقي بحق شعبنا الفلسطيني بحاجة إلى أدلة لإثباتها، بل بات جنرالات الاحتلال والمستوطنون يتسابقون علناً في صياغة وثائق الطرد والإبادة دون أدنى خجل من الضمير الإنساني العالمي، غير أن حسابات الوهم التي صيغت في المكاتب المكيفة لمنتديات الفكر العسكري الإسرائيلي اصطدمت بحجر غزة الصلب، وارتدت حسرةً في قلوب مخططيها.
ويأتي هذا التقرير المقارن والاستراتيجي الموسع ليفكك ما أُطلق عليه اسم "خطة الجنرالات" والمخطط الإجرامي لإنشاء "منطقة عازلة" في محافظتي غزة والشمال، رابطاً بين الطموحات الإستراتيجية الفاشية للاستيطان وحماية غلاف غزة، وبين النتائج الميدانية العكسية الكارثية التي جناتها آلة الحرب الصهيونية بفعل الصمود الأسطوري لأصحاب الأرض.
وتنقل وكالة فلسطين الآن عبر هذه القراءة المعمقة تفاصيل الانكسار الإستراتيجي للاحتلال، مستعرضةً الوثائق والأهداف والنتائج الميدانية التي أثبتت مجدداً أن إرادة البقاء الفلسطينية أقوى بكثير من آلة الإبادة والتهجير.
محاولة بائسة للالتفاف على العجز العسكري..
لتفكيك الخلفية التاريخية والسياسية لهذا المخطط الفاشي، يجب العودة إلى الجذور الحركية لـ"خطة الجنرالات"؛ إذ لم تكن هذه الخطة وليدة قرار عسكري مفاجئ اتخذته قيادة هيئة الأركان، بل جاءت كثمرة مسمومة لوثيقة تفصيلية وضعها ما يُسمى "منتدى قادة ومحاربي الاحتياط" الإسرائيلي، وهو تجمع يضم العشرات من كبار الضباط والجنرالات السابقين المشبعين بالفكر الصهيوني الإحلالي واليميني المتطرف، وعلى رأسهم اللواء المتقاعد غيورا آيلاند.
وصيغت هذه الوثيقة وقُدمت للمستوى السياسي والكابينت برئاسة المجرم بنيامين نتنياهو كخيار إستراتيجي بديل ونهاية حتمية لما اعتبره المنتدى "عجزاً عسكرياً وفشلاً بنيوياً" لجيش الاحتلال في حسم المعركة بقطاع غزة بعد أشهر طويلة من القصف التدميري التقليدي دون الوصول إلى نصر حقيقي أو القضاء على المقاومة.
واعتبر "منتدى الجنرالات" في ثنايا وثيقته المسرّبة أن إدارة الجيش للصراع بطريقتها الكلاسيكية القائمة على التوغل المؤقت ثم الانسحاب، تتيح لحركة حماس وفصائل المقاومة التقاط الأنفاس وإعادة بناء القدرات التنظيمية والإدارية والقتالية فور خروج الدبابات. ومن هنا، رأى هؤلاء المخططون الفاشيون ضرورة الانتقال من مفهوم "المواجهة العسكرية الموضعية" إلى مفهوم "الحرب الشاملة ضد الحاضنة الشعبية والكتلة السكانية"؛ حيث نصت الخطة علناً وبكل وقاحة على تحويل مئات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين في شمال وادي غزة إلى أهداف عسكرية مشروعة إن هم رفضوا مغادرة منازلهم، عبر استخدام سلاح التجويع المنظم وهندسة الحرمان الإنساني الشامل كوسيلة وحيدة لكسر إرادة القتال والالتفاف على الإخفاق الميداني لجنود النخبة على الأرض.
حماية الغلاف وتمهيد الاستيطان..
تحددت الطموحات الإستراتيجية والأهداف الجيوسياسية لـ"خطة الجنرالات" في محورين رئيسيين شديدي الخطورة، أولاً، تأسيس "المنطقة العازلة" ومسح مدن الشمال: نصت الوثيقة الصهيونية على ضرورة إفراغ محافظتي غزة والشمال تماماً من البشر، وتحويل الأرض الممتدة من وادي غزة وحتى الحدود الشمالية إلى منطقة عسكرية مغلقة يُحظر على الفلسطينيين دخولها أو العيش فيها .
وكان الهدف الإجرامي يقتضي مسحاً وتدميراً كاملاً وجرفاً شاملاً لمدن وبلدات بأكملها مثل بيت حانون، وبيت لاهيا، ومخيم جباليا، وتحويلها إلى أرض محروقة مستوية خالية من أي معالم عمرانية أو منشآت حيوية، هذا المسح الجغرافي كان يُنظر إليه كخطوة ضرورية لبناء خط دفاعي إستراتيجي متقدم يمنع المقاومة مستقبلاً من استخدام هذه المناطق كقواعد لإطلاق الصواريخ أو حفر الأنفاق الهجومية باتجاه مستوطنات الغلاف القريبة مثل سديروت، وعسقلان، وزيكيم.
التمهيد لمشاريع الاستيطان الإحلالي وفصل الشمال، لم يكن البُعد الأمني هو المحرك الوحيد لجنرالات الاحتلال، بل تداخلت معه الأطماع الاستعمارية التاريخية للحركة الصهيونية وجماعات الاستيطان المتطرفة المشاركة في حكومة نتنياهو، فقد هدفت الخطة الفاشية إلى إحداث فصل جيو-ديمغرافي كامل ونهائي لمحافظة الشمال عن بقية قطاع غزة، وتحويل هذا المربع الجغرافي الحيوي إلى احتياط أراضي جاهز لإعادة بناء المستوطنات الصهيونية التي أُخليت عام 2005 (مثل نيسانيت وإيلي سيناي ودوغيت)، تحقيقاً للأحلام التوراتية الاستعمارية التي ينادي بها قادة اليمين الفاشي مثل بن غفير وسموتريتش، والذين اعتبروا حرب الإبادة الحالية فرصة تاريخية لا تُعوض لتصحيح ما وصفوه بـ"خطيئة الانسحاب من غزة" عبر اقتلاع أصحاب الأرض الشرعيين وزرع المستوطنين مكانهم.
صدمة الواقع..
وعلى النقيض تماماً مما خططت له عقول الاحتلال الإجرامية، جاءت النتائج الميدانية والإستراتيجية على الأرض صاعقة ومخيبة لآمال الكيان، لتثبت أن أوهام التطهير العرقي والتهجير القسري تبددت كلياً وتلاشت أمام صخرة الصمود الأسطوري الراسخ للكتلة السكانية الفلسطينية في شمال قطاع غزة، فرغم الحصار المطبق الذي استمر لأشهر، ومنع دخول الدقيق والدواء، والقصف الجوي الهستيري الذي طال مراكز النزوح والخيام والمستشفيات، رفض أكثر من 300 ألف مواطن فلسطيني ترك مدنهم في جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون، وافترشوا الركام والتحفوا الصبر، معلنين بلسان واحد: "لن نكرر نكبة عام 1948، ونموت جوعاً كراماً ولا نهاجر لجنوب القطاع"، هذا الثبات البشري الجبار شكل أكبر عائق ديمغرافي وإستراتيجي أفشل معادلة "الأرض الخاوية" التي بنيت عليها الخطة بالكامل.
وأدى فشل مخطط التهجير والتطهير العرقي إلى حدوث نتائج ميدانية عكسية تماماً لطموحات الاحتلال؛ فبدلاً من أن تتحول المنطقة العازلة إلى حزام أمان يحمي مستوطنات الغلاف، تحولت أزقة ومنازل الشمال المحتلة إلى مستنقع استنزاف يومي دامٍ لجيش الاحتلال.
وبقيت فصائل المقاومة تتحرك بكفاءة عالية مستندة إلى حاضنتها الشعبية المتجذرة، وواصلت إمطار المغتصبات الصهيونية في عسقلان وسديروت ومواقع الغلاف بالدفعات الصاروخية وقذائف الهاون المنطلقة من قلب المناطق التي زعم العدو سحقها وإخلاءها، مما أثبت عقم الفكرة الأمنية للمنطقة العازلة وجعل المستوطنين في الغلاف يرفضون العودة إلى منازلهم لإدراكهم أن وعود الجيش بالأمن كانت مجرد أوهام سياسية دعائية.
وفي الختام، فإن هذه المقارنة الإستراتيجية تسجل انتصاراً تاريخياً للدم الفلسطيني على السيف الصهيوني؛ إذ أُجهضت خطط الاستيطان الإحلالي في مهدها، ودفنت مشاريع الضم وفصل الشمال تحت أنقاض البيوت المدمرة التي أبى أصحابها إلا أن يدفنوا تحتها أو يعيشوا فوقها أحراراً.
ووقفت حكومة الاحتلال وجنرالاتها المتقاعدون عاجزين أمام حقيقة إستراتيجية ثابتة صاغتها غزة المنكوبة: الجغرافيا لا تحمي الغزاة إذا كانت الديمغرافيا تقاوم، وستبقى بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا خطوط دفاع وطنية راسخة تُسقط أوهام الإمبراطوريات الاستعمارية وتؤكد أن الأرض لا تتحدث إلا باللغة العربية
