إن الدولة تنتقل في أطوار مختلفة وحالات متجددة، ويكتسب القائمون بها في كل طور خُلُقًا من أحوال ذلك الطور، لا يكون مثله في الطور الآخر - ابن خلدون. برأيي، فإن نجاح مجرم الحرب نتن ياهو في الانتخابات يصبّ، على نحوٍ مفارق، في مصلحة كل من يرفض هذا الكيان ويتطلع إلى زواله. فإذا عاد نتن ياهو إلى الحكم، فلن يكون قادرًا على تقديم نفسه بوجه جديد، ولا على إظهار «إسرائيل» بصورة مغايرة، ولا سيما أنه سيصل إلى السلطة متحالفًا مع الأحزاب الأكثر تشددًا، في وقت بات فيه المشهد السياسي «الإسرائيلي» برمّته أكثر تطرفًا وتشددًا. ومن ثم، يُرجّح أن يواصل نهج الدم والتصعيد الذي انتهجه، إن لم يمضِ فيه إلى مدى أبعد.
وإذا أُعيد انتخاب مجرم الحرب نتن ياهو، فإن الخطر الذي يواجه الكيان لن يقتصر على أربع سنوات أخرى من الاستقطاب السياسي، بل سيمتد إلى أخطار أكثر خطورة، في مقدمتها احتمال أن تبدأ الضغوط المتعددة، التي باتت ظاهرة بالفعل داخل المجتمع، في الالتقاء والتفاعل وتعزيز بعضها بعضًا.
ومن أبرز هذه الضغوط استمرار الهجرة إلى الخارج، وأزمة تجنيد الحريديم، والتحولات الديموغرافية التي تضغط على نموذج الخدمة العسكرية الشاملة، وتراجع نسبة السكان الذين يتحملون العبء الضريبي، وضعف المؤسسات العامة، وتنامي الانطباع بانتشار الفساد، وتراجع ثقة المستثمرين، فضلًا عن الصعوبة التي قد يواجهها نتن ياهو في الحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي، في ظل تصاعد الإنفاق الدفاعي وما يفرضه من أعباء إضافية على الاقتصاد والمجتمع.
ويُضاف إلى ذلك استمرار التوتر بين الحكومة والمؤسسات القضائية والرقابية، بالتوازي مع الجدل المتواصل حول المسؤولية السياسية عن إخفاقات السابع من أكتوبر، واستمرار محاكمة نتن ياهو في قضايا الفساد، إلى جانب حروب ومواجهات لا تبدو لها نهاية واضحة في الأفق.
الخطر الحقيقي الذي يواجه الكيان ليس في الحروب أو الأعداء بحد ذاتهم، بل في أن تأتي تلك المواجهات في نهاية المطاف تتويجًا لسنوات طويلة من التراجع الداخلي والاستنزاف المتراكم والعزلة
وعلى الصعيد الأمني، ستبقى أمامه تحديات متواصلة في غزة، وفي المواجهة مع إيران، وعلى الجبهات الأخرى، بما يفرض استنزافًا مستمرًا للاقتصاد والجيش والمجتمع، ويجعل من الصعب تجنب الكلفة المتراكمة لهذه المواجهات على المدى الطويل.
أما خارجيًا، فستواجه الحكومة تحديات متزايدة في علاقاتها مع الولايات المتحدة، وفي ملف الضفة الغربية، إلى جانب تصاعد الضغوط والعزلة الدولية، وتنامي الرفض الشعبي عالميًا، فضلًا عن الرفض العربي للتعامل مع حكومة يقودها نتن ياهو.
لا تكفي أيٌّ من هذه المشكلات، بمفردها، لإسقاط دولة؛ فالخطر الحقيقي لا يكمن في كل أزمة على حدة، وإنما في احتمال تفاعل هذه الأزمات معًا، وفي الطريقة التي قد يعزز بها كلٌّ منها الآخر، بحيث تتحول مجموعة من المشكلات المنفصلة إلى مسار متكامل من التراجع يصعب وقفه أو عكس اتجاهه.
فالكيان لن يختفي بين ليلة وضحاها، لكن الخطر الأكبر يكمن في أن تتراكم هذه المشكلات وتتفاعل بعضها مع بعض على مدى سنوات، فيصبح الكيان أكثر فقرًا وعزلة ورفضا شعبيا عالميا، وأقل ابتكارًا، وأكثر فسادًا، وأضعف جاذبية للشباب والمستثمرين، بالتوازي مع تزايد الوزن الديموغرافي للحريديم إلى الحد الذي قد يجعلهم أغلبية في المجتمع، وما قد يرافق ذلك من تراجع في مستوى التنوع داخله.
من هنا، فإن الخطر الحقيقي الذي يواجه الكيان ليس في الحروب أو الأعداء بحد ذاتهم، بل في أن تأتي تلك المواجهات في نهاية المطاف تتويجًا لسنوات طويلة من التراجع الداخلي والاستنزاف المتراكم والعزلة. وإذا ما وصل الكيان إلى هذه المرحلة، فسيتجاوز النقاش شخص مجرم الحرب نتن ياهو وإرثه الدموي، لأن القضية حينها لن تعود مرتبطة بحاكم وحكومة، بل ستنتقل إلى سؤال أهم: هل ما يزال لدى الكيان ما يكفي من البشر والمال والمؤسسات والشرعية التي تمكّنه من الاستمرار؟
