بأصابع وحيدة تنبض بالإصرار، يخط الطفل كنان أبو جبة كلماته الأولى على سطر الدفتر داخل خيمته بمدنية غزة؛ متوقفاً بين الفينة والأخرى ليعيد ترتيب حلمٍ شطرته الحرب نصفين.
للوهلة الأولى، تبدو حركته طبيعية وهو يملأ فراغ الأوراق، لكن التحدي الأكبر يكمن في كواليس المشهد؛ حيث تكافح يده اليمنى وحيدةً للإمساك بالقلم وتثبيت الورق في آنٍ واحد، مستندةً إلى طرفٍ صناعي بارد استقر مكاناً ليده اليسرى التي بترتها الصواريخ الصهيونية الغادرة.
شظية سرقت الطفولة..
لم يكن كنان (10 سنوات) يعلم أن طائرات الموت الصهيونية التي تحلق في سماء غزة ستختار جسده الغض ليكون شاهداً على نازية الاحتلال، في لحظة غادرة، استهدف قصف صهيوني مربعهم السكني، ليتعالى الصراخ والغبار، وتستيقظ العائلة على فاجعة بترت يد طفلها الأيسر، وتركت في قلبه ندبة لا تبرأ.
تقول والدته وعيناها تغرقان بالدموع: "كان كنان طفلاً مليئاً بالحركة، يعشق اللعب ويمسك ألعابه بكلتا يديه، اليوم، تحول إلى جسد صغير يحاول التكيف مع نصفه المبتور، الطرف الصناعي الذي يرتديه يساعده شكلياً، لكنه لا يعيد دفء أصابعه الحقيقية التي دُفنت تحت ركام منزلنا".
معركة الحرف الواحد داخل الخيمة..
داخل خيمة مهترئة لا تقي حر الصيف ولا برد منخفضات أكتوبر الماطرة التي تضرب القطاع هذه الأيام، يخوض كنان معركة من نوع آخر؛ معركة التعليم. يتكيء على فراشه البسيط، ويحاول تثبيت الدفتر بطرفه الصناعي أو بقدمه الصغيرة أحياناً، بينما تخط يده اليمنى كلمات ببطء وإصرار.
يتوقف كنان عن الكتابة، ينظر إلى كُم قميصه الأيسر الفارغ، ثم يبتسم بملامح يكسوها كبرياء غزيّ مبكر ويقول بصوت مخنوق: "الاحتلال قطع يدي ليحرمني من الدراسة والكتابة، لكنني سأتعلم باليد التي بقيت لي، سأصبح طبيباً في المستقبل لأعالج الأطفال الذين بترت الصواريخ أطرافهم".
هذا الإصرار يختزل حكاية آلاف الأطفال في قطاع غزة، الذين حوّلهم العدوان الصهيوني المستمر إلى جيل من ذوي الاحتياجات الخاصة؛ حيث تشير التقارير الطبية إلى أن حرب الإبادة الجماعية خلّفت ما يزيد عن 15 ألف طفل مصابين ببتر في أطرافهم العلويّة أو السفليّة، يعيش معظمهم في خيام النزوح بظروف إنسانية وصحية بالغة القسوة.
مأساة تتحدى الحصار..
لا تتوقف معاناة كنان عند حدود البتر؛ بل تمتد لتفاصيل الحياة اليومية في ظل الحصار الصهيوني الخانق الذي يمنع دخول المستلزمات الطبية والأطراف الصناعية الذكية لغزة والشمال، فالأطراف البدائية المتاحة لا تنمو مع نمو أجساد الأطفال، مما يفرض عليهم رحلة عذاب متجددة كل عام لاستبدالها، في وقت يواجه فيه القطاع الصحي شللاً تاماً بفعل الاستهداف الممنهج للمستشفيات ومراكز التأهيل.
يغلق كنان دفتره الصغير، يضع قلمه جانباً، ويتحسس طرفه البلاستيكي نظرة تأمل طويلة. لم تكن هذه القصة مجرد حكاية طفل فقد يده، بل هي وثيقة إدانة صارخة ضد احتلال يسعى لبتر مستقبل جيل كامل، وفي المقابل، هي ترنيمة صمود فلسطينية تُكتب بيد واحدة، لتثبت للعالم أن الحرف في غزة أشد ثباتاً من صواريخ الطائرات.
