بين إغلاق الطرق وتجريف الأراضي الزراعية واقتلاع أشجار الزيتون، تعيش قرية مادما جنوب نابلس، شمالي الضفة الغربية المحتلة، منذ أكثر من أسبوعين، ظروفًا صعبة تتجاوز آثار الحصار المفروض عليها، لتطال تفاصيل الحياة اليومية للسكان ومصادر رزقهم، في ظل اعتداءات متواصلة على أراضيهم، بالتزامن مع موسم قطف الزيتون.
ومنذ أكثر من ثلاثة عشر يومًا، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق مداخل القرية بالسواتر الترابية، ما أدى إلى عزلها عن محيطها، وعرقلة تنقل المواطنين ووصولهم إلى أماكن العمل والدراسة والخدمات الصحية، فيما تتواصل الاعتداءات على المزارعين وأراضيهم، في وقت يشكل فيه موسم الزيتون مصدر دخل أساسيًا للعديد من العائلات الفلسطينية.
وقال رئيس مجلس قروي مادما، الدكتور رامي نصار، إن قوات الاحتلال واصلت إغلاق مداخل القرية لمدة ثلاثة عشر يومًا، قبل أن تعيد فتح المدخل الشمالي، مع الإبقاء على ثلاثة مداخل رئيسية مغلقة بالسواتر الترابية.
وأوضح أن هذه الإجراءات تعيق تنقل المواطنين وتزيد من معاناتهم اليومية، ولا سيما المرضى وطلبة المدارس والجامعات والموظفين والعمال، الذين يواجهون صعوبات في الوصول إلى وجهاتهم، في ظل استمرار إغلاق الطرق التي تربط القرية بمحيطها.
وأضاف نصار أن إغلاق المداخل ينعكس سلبًا على انتظام العملية التعليمية، بسبب الصعوبات التي يواجهها الطلبة والمعلمون في الوصول إلى المدارس ومغادرتها، مشيرًا إلى أن اضطرار الأهالي إلى سلوك طرق بديلة يزيد من مشقة التنقل، ويثير مخاوف من تأثر انتظام الدوام المدرسي والتحصيل الدراسي.
ولفت إلى أن الحصار يتزامن مع اعتداءات تطال الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون، إلى جانب أعمال التجريف والاقتلاع التي تشهدها مناطق مختلفة من أراضي القرية، الأمر الذي يفاقم خسائر المزارعين ويهدد مصادر رزقهم.
اعتداءات تطال المزارعين
ولا تقتصر معاناة أهالي مادما على إغلاق الطرق، إذ يواجه المزارعون اعتداءات متكررة أثناء محاولاتهم الوصول إلى أراضيهم وقطف ثمار الزيتون، وسط قيود متزايدة تعرقل استغلال الأراضي الزراعية والحفاظ عليها.
وكشف نصار عن تعرض المزارعين لاعتداءات عدة، كان آخرها في 21 تشرين الأول/أكتوبر، حين أطلقت قوات الاحتلال الرصاص الحي واعتدت على مزارعين أثناء قطف الزيتون في الأراضي الشمالية للقرية، كما صادرت معداتهم الزراعية وأجبرتهم على مغادرة المكان، وفق ما أفاد به.
وأكد أن هذه الاعتداءات تضع المزارعين أمام تحديات إضافية خلال موسم القطاف، الذي يحمل أهمية اقتصادية واجتماعية للعائلات الفلسطينية، خصوصًا في القرى التي تعتمد على الزراعة مصدرًا للدخل، موضحًا أن منع الوصول إلى الأراضي أو تعطيل العمل فيها يهدد المحصول بالخسارة.
وأضاف أن إعادة فتح المدخل الشمالي شكّلت انفراجًا جزئيًا في حركة المواطنين، إلا أن استمرار إغلاق المداخل الثلاثة الأخرى يبقي القرية أمام قيود واسعة على التنقل، في وقت تظل فيه الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون عرضة لمزيد من الاعتداءات والخسائر.
من جانبه، تحدث المزارع باسل جاد الله عن تداعيات الحصار والتضييقات المفروضة على المزارعين، قائلًا إن مزارعي مادما يواصلون التمسك بأرضهم وحقهم في الوصول إلى أشجار الزيتون وجني محصولها، رغم القيود المفروضة على حركة السكان والاعتداءات المتكررة التي تطالهم وتطال أراضيهم.
وأشار جاد الله إلى أن خسائر هذه الاعتداءات لا تقتصر على قيمة الأشجار ومحصولها الموسمي، بل تمتد إلى الأصول الزراعية التي راكمتها العائلات الفلسطينية على مدى عقود؛ إذ تحتاج الأشجار المعمّرة التي تُقتلع إلى سنوات طويلة لتعويضها، فيما تفقد العائلات موردًا اقتصاديًا ارتبط بأرضها عبر أجيال.
وقال جاد الله إن "صار الزيتون أكبر همّ للاستيطان"، في عبارة تختصر، بحسب تعبيره، جانبًا من المواجهة التي يخوضها المزارعون للحفاظ على أشجارهم ومواصلة العمل في أراضيهم، رغم ما تتعرض له من تضييق واستهداف.
أشجار معمّرة تحت الجرافات
وفي السياق ذاته، تحدث الناشط معتصم نصار عن الأوضاع التي تعيشها القرية في ظل استمرار الحصار والاعتداءات على الأراضي الزراعية، مشيرًا إلى أن القيود المفروضة على حركة السكان تتزامن مع تحديات متزايدة تواجه المزارعين خلال موسم الزيتون.
وقال نصار إن ما تتعرض له مادما مؤخرًا يأتي امتدادًا لخسائر تكبدتها القرية خلال الأشهر الماضية، نتيجة اقتلاع وتجريف أعداد كبيرة من أشجار الزيتون في مناطق مختلفة من أراضيها، الأمر الذي يضاعف الأعباء الاقتصادية على المزارعين ويهدد قدرتهم على مواصلة استغلال أراضيهم.
وأوضح أن الزيتون في مادما لا يمثل محصولًا موسميًا فحسب، بل يشكل مصدر رزق رئيسيًا لعدد من العائلات، وجزءًا من ارتباطها التاريخي والاجتماعي بالأرض، مؤكدًا أن اقتلاع الأشجار لا يعني خسارة موسم واحد، بل يهدد موردًا اقتصاديًا كان يمكن أن تعتمد عليه الأسرة لسنوات طويلة.
وأضاف أن المزارعين، رغم هذه الظروف، يواصلون التمسك بأراضيهم ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الموسم، في وقت يواجه فيه الأهالي تحديات يومية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، بالتزامن مع استمرار أعمال التجريف والاعتداءات التي تطال أراضي القرية وأشجارها.
وهكذا، تتداخل في مادما معاناة السكان مع خسارة الأرض، ويتحول موسم الزيتون، الذي ارتبط تقليديًا بالرزق والعمل الجماعي والتمسك بالأرض، إلى موسم محفوف بالمخاطر، في ظل سعي المزارعين إلى الوصول إلى أشجارهم وحماية ما تبقى من محصولهم.
ومع استمرار إغلاق ثلاثة من مداخل القرية، رغم إعادة فتح المدخل الشمالي، يواجه أهالي مادما قيودًا تعرقل حركتهم اليومية ووصولهم إلى أماكن العمل والدراسة والخدمات الأساسية، بالتزامن مع الاعتداءات التي تطال المزارعين وأراضيهم خلال موسم قطف الزيتون.
