لم يعد موسم البلح في قطاع غزة كما كان قبل الإبادة، فأشجار النخيل تحولت إلى ركام، بفعل التدمير والتجريف، فيما ابتلع "الخط الأصفر" أعدادًا كبيرة منها، ما وضع المزارعين أمام خسائر فادحة ومتراكمة.
ورغم أن مزارعين يقولون إن الموسم الحالي أفضل من المواسم التي أعقبت اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، فإنه لا يزال بعيدًا عن مستويات ما قبل الحرب، حين كان إنتاج البلح يغطي الاحتياج المحلي، ويصدر الفائض منه إلى الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر، وفي حالات محدودة إلى خارج فلسطين.
صعوبات مركبة
يشرح حمزة العزايزة الصعوبات المركبة التي يواجهها أصحاب مزارع البلح في قطاع غزة، مبينًا أن أبرزها تكاليف الإنتاج التي ارتفعت بصورة كبيرة، في وقت تتراجع فيه قدرة المزارعين على توفير احتياجات الأشجار الأساسية.
ويوضح العزايزة أن تكلفة ساعة ري أشجار النخيل، التي كانت تبلغ نحو 30 شيكلاً قبل الحرب، تجاوزت اليوم 150 شيكلاً، في زيادة تثقل كاهل المزارعين، خصوصًا مع تراجع العائد من بيع المحصول وارتفاع أسعار بقية المستلزمات الزراعية.
ويؤكد أن الموسم الحالي أفضل من المواسم السابقة في الحرب، لكنه لا يزال أسوأ بكثير من المواسم التي سبقت الحرب، حين كان إنتاج البلح يغطي احتياجات سكان القطاع، ويستفيد المزارع من تصدير جزء من محصوله إلى الخارج.
ويواصل العزايزة شرح الصعوبات التي تواجههم، فإلى جانب ضعف الإنتاج وارتفاع تكاليف الزراعة، يواجه المزارعون والمستهلكون صعوبة في تخزين المحصول وحفظه بسبب أزمة الكهرباء، ما يضيق الفترة المتاحة لتسويق البلح ويضعهم أمام خيارات محدودة لتصريف إنتاجهم.
وتشير تقديرات هيئات زراعية رسمية وأهلية إلى أن كميات البلح المتاحة تراجعت إلى ما بين 10 و15% من مستويات ما قبل الحرب، فيما انخفض إنتاج النخلة الواحدة، في بعض الحالات، من نحو 25 إلى 40 كيلوغرامًا إلى ما بين 15 و20 كيلوغرامًا. كما تقلصت فترة الموسم من نحو شهر ونصف إلى 15 إلى 20 يومًا، مع تضرر مرافق التخزين والتبريد.
زراعة النخيل مهددة بالانهيار
بالنسبة إلى المزارع محمد أبو عميرة، لا يمثل موسم البلح مجرد فترة لجني المحصول وبيعه، بل كان موعدًا ينتظره المزارعون طوال العام، لما يحمله من معاني الخير والبركة، وما يرتبط به من عادات وتقاليد وأفراح ومناسبات اجتماعية.
لكن الحرب أصابت هذا الموسم في أساسه، ودمرت أعدادًا كبيرة من أشجار النخيل، فيما تعذر الوصول إلى مزارع أخرى، أو تراجعت القدرة على خدمتها بعد استخدام مساحات واسعة من الأراضي الزراعية لإيواء النازحين، فضلاً عن تدمير الاحتلال الأشجار المزروعة في مناطق خلف "الخط الأصفر"، بحسب أبو عميرة.
ويوضح أنه قبل الحرب كان نحو 70% من كميات البلح تباع في السوق المحلية داخل القطاع، بينما اعتادت الأسر شراء البلح وتخزينه، واستخدامه في إعداد العجوة ودبس التمر والمربى. أما اليوم، فقد تقلصت الكميات المتاحة، وتراجعت قدرة المزارعين على الوصول إلى أشجارهم والعناية بها، ما انعكس على العمال والتجار والأسر التي كانت تستفيد من المحصول ومن الصناعات الغذائية المرتبطة به.
وتعرضت مزارع نخيل واسعة للتجريف والتدمير، خاصة في مناطق "الخط الأصفر" شرق القطاع وفي مدينتي رفح وبيت حانون المحتلتين بالكامل، فيما تضررت أشجار أخرى بالقصف أو نتيجة انهيار المباني المجاورة عليها، إلى جانب صعوبات الوصول إلى الأراضي والعناية بالأشجار. وبذلك، لا تقتصر الخسارة على موسم واحد، بل تهدد استمرار زراعة النخيل في مناطق كانت تشكل جزءًا أساسيًا من الإنتاج الزراعي.
تكاليف باهظة وإنتاج ضعيف
ولا تقف معاناة مزارعي النخيل عند خسارة الأراضي والأشجار، بل تتضاعف مع ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، وشح المياه والأسمدة والأدوية الزراعية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع مصادر الدخل وتدهور القدرة الشرائية.
ويقول المزارع سامي بركة إن ضعف القوة الشرائية لدى الناس، بعد فقدان كثيرين مصادر رزقهم بسبب الحرب، جعل تسويق المحصول أكثر صعوبة. فحتى عندما يتمكن المزارع من جني البلح، لا يضمن أن يجد مشترين قادرين على دفع ثمن يغطي ما أنفقه على الزراعة والري والقطاف.
ويضيف أن تكاليف الإنتاج أصبحت باهظة، في ظل ندرة المياه والأسمدة والأدوية، مستشهدًا بارتفاع سعر علبة الدواء المستخدمة في مكافحة سوسة النخيل من 45 شيكلاً إلى نحو 1000 شيكل.
سعر علبة الدواء المستخدمة في مكافحة سوسة النخيل من 45 شيكلاً إلى نحو 1000 شيكل
ولا تختلف الحال بالنسبة إلى أدوات العمل، إذ ارتفع سعر الحبال التي يستخدمها العمال لتسلق أشجار النخيل وقطف الثمار من 80 شيكلاً لكل 5 كيلوغرامات إلى 180 شيكلاً للكيلوغرام الواحد، ما يضاعف الأعباء على المزارعين والعمال في آن واحد، بحسب بركة.
أضرار فادحة لحقت بأصناف البلح
يضع الخبير الزراعي محمد الأسطل ما يواجهه مزارعو النخيل في قطاع غزة في سياق الأضرار الأوسع التي أصابت القطاع الزراعي، جراء الحرب وتدمير الأراضي والبنية التحتية الزراعية، وتعطل مصادر المياه والري، ونقص مستلزمات الإنتاج.
وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الزراعة في غزة، قُدرت خسائر القطاع الزراعي منذ بدء الحرب بنحو ثلاثة مليارات دولار، منها 1.49 مليار دولار أضرار مباشرة و1.59 مليار دولار خسائر غير مباشرة.
ووفق بيانات الوزارة، تضررت 87% من الأراضي الزراعية، وخرجت 8,700 بئر مياه زراعية عن الخدمة بالكامل، وتضررت 3,828 بركة مياه زراعية، ودُمّر 1,371 كيلومترا من خطوط نقل المياه الزراعية.
ويقول الأسطل إن هذه الأضرار تنعكس على مختلف حلقات الإنتاج الزراعي، من الزراعة والري إلى القطاف والتخزين والتسويق، فيما يحتاج تعافي القطاع الزراعي إلى إعادة تأهيل الأراضي والبنية التحتية، وتوفير مستلزمات الإنتاج، وتمكين المزارعين من الوصول إلى أراضيهم واستثمارها.
ويوضح أن الحرب ألحقت أضرارًا فادحة بأصناف البلح المختلفة، مشيرًا إلى أن صنف "الحياني" لا يزال من أبرز الأصناف المتبقية في غرب القطاع، وخاصة في مدينة دير البلح، التي عُرفت تاريخيًا بزراعة النخيل.
لكن بقاء أشجار النخيل في دير البلح تحديدًا لا يعني أنها بمنأى عن الأضرار، إذ يؤكد الأسطل أن القصف والغازات، ونقص المياه ومستلزمات العناية من السماد والأدوية، أثرت في جودة الثمار وشكلها وحجمها.
