23.34°القدس
23.1°رام الله
22.19°الخليل
26.45°غزة
23.34° القدس
رام الله23.1°
الخليل22.19°
غزة26.45°
الخميس 30 يوليو 2026
4.11جنيه إسترليني
4.34دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.52يورو
3.08دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.11
دينار أردني4.34
جنيه مصري0.06
يورو3.52
دولار أمريكي3.08

من ساعات إلى أربعين دقيقة!

بعد خمسة عشر عاماً .. ذكريات "حاجز الموت"

إسراء جبر - فلسطين الآن

الساعة الآن السابعة صباحا؛ استيقظت على صوت أمّها "هيا استيقظي نتجهز للذهاب" استيقظت على الفور، الحماس يملأ قلبها، بدأت تجهز نفسها وانطلقت فوراً من المنزل من منطقة شمال القطاع تحديداً من بيت حانون متجهة إلى حاجز "أبو هولي".

يقع هذا الحاجز في جنوب مدينة دير البلح يفصل بينها وبين مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.

المركبة تسير، قلبي يسير معها، الفرحة لا تسعني إنه فرح ابنة خالتي، صديقتي ورفيقتي، لقد قضينا الإجازات الصيفية سوياً، لم يكن يفرقنا سوى هذا المعبر الرملي الذي وضعه الصهاينة في طريق مزقوا معه كل شيء سوى حلمنا بالحرية.

الآن اقتربنا من الحاجز، قلبي يرتجف من الخوف والتوتر، إنه معبر الظلم والاستفزاز والقهر، جنديٌ لا يملك سوى بارودته يقف من بعيد ليقرر حياة من سيُنهي؟!

كيف لها أن تنسى ما يسمعه دائما ويراه الجميع، في كل مرة يريدوا أن يجتازوا تلك النقطة السوداء، "حاجز اللاحياة".

من بعيد سواتر ترابية تملأ المكان، يقف خلفها القناصة والدبابات، في الجانب المقابل تصطف المركبات والباصات الفلسطينية في طابور ليؤذن لها بالمرور.

ينقسم الناس في ذلك الطابور إلى فئات، كل له مأربه ومبتغاه، أحدهم ذاهب ليتعلم، والآخر للعلاج، وتلك للسفر، وأخرى تزف الى زوجها، وآخرون جاؤوا لزيارة الأهل والأحباب، كل له وجهته، الهدف مختلف والمصير متشابه.

اقتربنا أكثر فأكثر، واصطففنا في الطابور الطويل الذي لا يُرى أوله، حيث إن الحاجز لا يفتح إلا في أوقات محددة، يقررها جنديٌ صعلوك ليس لديه هدف، إلا التنغيص على المواطنين الآمنين داخل القطاع!.

بدأتُ بتلاوة الأذكار التي تصبرنا بها أمي، المركبة ممتلئة، تساؤلات هنا وهناك من السائقين، متى سيفتح؟، فقائلٌ متفائلٌ: أظنه بعد قليل، وآخر متشرِّبٌ جيد لوضع الحاجز يقول: الثامنة مساءً قد يكون الفرج!

 ونحن ننتظر..

الآن يُسمع صوت الرصاص، دبّابة الميركافاه المخصصة للحروب الحديثة تتجه باتجاهنا مقتربة من بعيد، خوفٌ وهلع في صفوف الأطفال، صراخٌ ومناداة: ماذا يحدث؟.

سيارة الإسعاف لا تفارق المكان، منظر لا يمكن لذاكرتي أن تنساه، صوت الجرحى ومنظر الدماء توتر شديد إنه (حاجز الموت) كما كان يطلق عليه آنذاك.

إجرامٌ وظلم، مدنيون أبرياء ليس لديهم نية سوى عبور هذا الحاجز بأمان، لتخطف هذه القناصة أرواحاً بريئة وتصيب أجساداً منهكة، دون أدنى سبب؛ سوى أن ذاك الجندي المغتصب الذي انعدمت في نفسه الإنسانية، قد خطر بباله للتو أن يجرب سلاحه اللعين على أحدهم.

إنها سياسة الاحتلال في زرع الرعب والخوف والانهزام في قلوب الفلسطينيين؛ لكن هذا الخوف انقلب على المحتل، فقد حرّض الجميع -ومنهم أولئك الأطفال- على انتزاع الحقوق وتحرير الأرض.

مرت الساعات تلو الساعات وأصوات الإسعاف تدوي، والرصاص لم يهدأ، أعداد الإصابات في تزايد..

 بينما نحن في غفوة في مركبة مغلقة، الشمس ساطعة والحر شديد، يبدأ قناصة الاحتلال برمي الرصاص على المركبة التي كانت تقلنا، صراخ ورعب، قد نكون هدفاً لهذه الرصاصات، نزلنا أسفل المركبة، لعلّ هذه الرصاصات تُخطئنا، مضت دقائق طالت وكأنها ساعات، توقف القناصة عن إطلاق النار.

بعد ساعات من الانتظار، يسمح بمرور بضع مركبات، بينما تتأخر تلك ساعات إضافية، وقد تضطر للمبيت أمام الحاجز إلى اليوم التالي، نعم فقد أُغلق الحاجز اليوم.

هكذا..

مرت عشر ساعات من الانتظار، يسمح مرة أخرى بالعبور، الآن يحالفنا الحظ لتكون السيارة التي تقلنا قد حان دورها، لا زلت أذكر تلك اللحظات الصعبة إنها دقائق قليلة تنقلنا إلى الجهة الأخرى، بيد أن الخوف يجعل من هذه الدقائق القليلة مدة تشعر لوهلة أنها قد لا تنتهي!

الساعة الثامنة صباحاً من يوم الجمعة في ربيع عام 2020 قررت أن أذهب إلى تلك الوجهة من جديد لرؤية من نحب، تغير كل شيء فقط ما يلزمنا الآن للذهاب زجاجة من الماء، لا نحمل المشاعر التي كانت، لقد اندحر الاحتلال منذ ما يقارب خمسة عشر عاماً.

أربعون دقيقة فقط هي المدة الزمنية التي نحتاجها من شمال القطاع للوصول إلى مدينة رفح، ما قد يؤخرني فقط، هو جولة يُلح عليها أطفالي ليتمتعوا بالنظر إلى تلك المناطق الخضراء الجميلة التي حررتها أيادي المقاومة ودحرت آخر جندي عنها في منتصف سبتمبر من عام 2005، لقد كانت حقا نقطة تحول في حياتنا، ليست أقصى طموحنا، اليوم أتحدث إلى أبنائي عن اليوم القريب الذي سيكون فيها كل الوطن محرراً.

عادت بالذاكرة إلى الوراء إلى يوم صاخب بالاحتفالات والتكبير بذلك النصر المبين، الذي تحقق على أيدي المقاومة الفلسطينية.

 إنه يوم اندحار الصهاينة عن قطاع غزة، لقد تحررت جميع المستوطنات في القطاع، عادت ما كانت تسمى نتساريم- التي كان يقول عنها شارون إنها كتل أبيب- تبددت أوهامه، و إلى أصحابه الحقيقيون عاد مجمع غوش قطيف، ومستوطنة كفار داروم ودوغيت وغيرها.

اليوم وبعد خمسة عشر عاماً من دحر الاحتلال عن أرض غزة، لسان حال الغزيين يقول: "سيأتي اليوم الذي تقام به صلاة الجمعة في ساحات المسجد الأقصى، وقد تحررت كل فلسطين، وسيأتي المسلمون أفواجاً ليقيموا الصلوات والاحتفالات في ساحات القدس، ليس حلماً ولا أوهاماً، إنه وعد الله.

المصدر: فلسطين الآن