17.23°القدس
16.99°رام الله
16.08°الخليل
20.17°غزة
17.23° القدس
رام الله16.99°
الخليل16.08°
غزة20.17°
الخميس 05 فبراير 2026
4.23جنيه إسترليني
4.37دينار أردني
0.07جنيه مصري
3.65يورو
3.09دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.23
دينار أردني4.37
جنيه مصري0.07
يورو3.65
دولار أمريكي3.09

تقارير "فلسطين الآن"..

مائدة بلا لهب.. الاحتلال يطفئ مواقد غزة قبل رمضان بسياسة "التنقيط"

غزة-فلسطين الآن

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يلف الحزن والقلق أزقة قطاع غزة المنهك، حيث لا تقتصر المعاناة على نقص الغذاء فحسب، بل تمتد لتطال "وقود الحياة" في المطابخ؛ غاز الطهي. فبينما يستعد المسلمون لاستقبال الشهر الفضيل، تواصل سلطات الاحتلال سياسة "التنقيط" والمماطلة في إدخال كميات كافية من الغاز، مما جعل نسبة الوارد لا تتجاوز 20% من الاحتياج الفعلي للسكان.

هذا النقص الحاد وضع آلاف العائلات والمطابخ الخيرية أمام خيارين أحلاهما مر: إما التوقف عن إعداد الوجبات، أو اللجوء إلى بدائل بدائية وخطيرة. المطابخ الجماعية التي كانت تعتمد عليها مئات آلاف الأسر النازحة باتت مهددة بالتوقف تماماً، مما ينذر بكارثة إنسانية ومجاعة محققة في شهر الصيام، حيث حذرت جهات حقوقية ودولية من أن غياب غاز الطهي يعني شللاً تاماً في قدرة الناس على تحضير "سحورهم وإفطارهم".

وأكدت الهيئة العامة للبترول في غزة أن ما يتم إدخاله حالياً لا يتجاوز 20% من الاحتياج الفعلي للسكان. ومنذ سريان التهدئة في أكتوبر 2025 وحتى مطلع فبراير الحالي، لم يدخل سوى 307 شاحنات فقط، بينما كانت التفاهمات السياسية تقضي بإدخال نحو 1500 شاحنة في ذات الفترة. هذا العجز الصارخ أجبر آلاف العائلات على العودة لأساليب الطهي البدائية، مستخدمين الحطب أو حتى البلاستيك المحروق، ما ينذر بكارثة صحية وبيئية تضاف إلى ألم الجوع.

سياسة "التنقيط والمماطلة"

وكشفت الهيئة العامة للبترول في قطاع غزة، عن استمرار أزمة غاز الطهي الخانقة رغم اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال يتبع سياسة "التنقيط والمماطلة" في إدخال الإمدادات، مما يضع القطاع أمام كارثة إنسانية متجددة مع اقتراب شهر رمضان المبارك.

وأوضحت الهيئة في بيان صحفي، أن كميات الغاز التي دخلت القطاع منذ بدء الهدنة وحتى نهاية يناير لم تتجاوز 307 شاحنات (بإجمالي 6,458 طناً)، وهو ما يمثل 20% فقط من الاحتياج الفعلي للسكان.

ومع اقتراب الشهر الفضيل، حذرت الهيئة من أن القدرة على تأمين احتياجات المواطنين مرتبطة كلياً بفتح المعابر وزيادة الكميات الواردة، مؤكدة أن "سياسة التخزين شبه منعدمة" حالياً، حيث يتم توزيع الكميات الواردة فور وصولها نتيجة الشح الشديد.

ورغم أن الأسبوع الماضي شهد دخول 40 شاحنة (وهو المعدل الأفضل منذ الهدنة)، إلا أن الهيئة أكدت أنه لا يزال بعيداً عن الحد الأدنى للاحتياج الذي يتراوح بين 80 إلى 100 شاحنة أسبوعياً.

وأشارت الهيئة إلى "فجوة هائلة" بين التفاهمات السياسية والواقع الميداني؛ حيث كان من المفترض إدخال 1500 شاحنة بموجب الاتفاق الأخير، إلا أن الاحتلال لم يلتزم بتعهداته، مستمراً في سياسة التسويف والتأخير التي أدت إلى حرمان آلاف العائلات من احتياجاتها الأساسية.

مواجهة يومية مع خيبات الأمل

بدوره قال الموزع فايق محمود، "عملي أصبح عبارة عن مواجهة يومية مع خيبات الأمل. يأتي المواطنون ومعهم أسطوانات فارغة، وعيونهم مليئة بالرجاء، لكني أضطر لإخبارهم أن الكشوفات متوقفة لأن الشاحنات التي دخلت لا تكفي سوى لنسبة ضئيلة جداً من المسجلين. نحن نعيش سياسة 'التنقيط' التي يمارسها الاحتلال، حيث تدخل 8 شاحنات بينما نحتاج لمئة".

وأضاف محمود في حديثه لـ"فلسطين الآن": "الوضع الميداني كارثي؛ الناس يتشاجرون أحياناً من أجل دورٍ في تعبئة نصف أسطوانة، والانتظار يمتد لأسابيع وأشهر. مع دخول رمضان، سيزداد الضغط والطلب، وبدون ضخ كميات كبيرة ومنتظمة من الغاز، سنشهد انهياراً كاملاً في المنظومة الغذائية المنزلية".

وختم حديثه: رسالتي للعالم أن رمضان على الأبواب، وأهل غزة لا يطلبون المستحيل، فقط نريد غازاً لنطهو ما يسد رمق أطفالنا. المماطلة في إدخال الغاز هي قتل بطيء، والاحتلال يريد لنا أن نصوم الدهر كله قسراً، لا تعبداً. إذا استمر الوضع هكذا، فلن تجد العائلات في غزة ما تفطر عليه سوى الدموع والانتظار".

أداة ضغط وتجويع

أما الناشط الخيري بلال، فقال "نحن في المطبخ الخيري كنا نوزع آلاف الوجبات يومياً، ومع اقتراب رمضان رفعنا سقف التوقعات لمساعدة أكبر قدر من العائلات المتعففة، لكن الواقع صدمنا. نقص الغاز الحاد جعلنا نقلص عدد الوجبات إلى الربع، والمماطلة الإسرائيلية على المعابر تمنعنا من التخطيط لأي مشروع إفطار صائم لهذا العام".

وأضاف في حديثه لـ"فلسطين الآن": أن "الاعتماد على الحطب كبديل ليس حلاً عملياً للكميات الكبيرة من الطعام، فالحطب أصبح باهظ الثمن ونادر الوجود، كما أن إعداد قدور ضخمة على النار المفتوحة يتطلب ساعات طويلة وجهداً مضاعفاً لا يفي بحاجة آلاف الجوعى المنتظرين في الطوابير. نحن نرى 'شبح الجوع' يطرق أبوابنا بقوة، وأخشى أن نضطر لإغلاق أبواب المطبخ تماماً قبل رمضان بليلة واحدة".

وتابع: "الاحتلال يدرك تماماً أهمية الغاز في دورة الحياة اليومية، واستخدامه كأداة ضغط وتجويع في هذا التوقيت بالذات هو قمة الإجرام. نحن نطالب بفتح فوري وغير مشروط لخطوط توريد الغاز، فالمطابخ الجماعية هي شريان الحياة الوحيد المتبقي لمئات آلاف النازحين الذين فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم".

قطعة أثرية

ومع اقتراب هلال شهر رمضان المبارك، يغيب الفرح عن ملامح "أبو العبد"، الذي يجلس أمام باب بيته المهدم جزئياً في مخيم الشاطئ الذي يعاني من دمار واسع، ينظر إلى أسطوانة الغاز الفارغة كأنها قطعة أثرية. هنا في غزة، لا يُقاس الاستعداد للشهر الفضيل بشراء الزينة أو التمور، بل بالبحث عن "لهب" ينضج طعام الإفطار.

ويقول أبو العبد: " "أزمة الغاز هي الموت البطيء الذي يلاحقنا في أدق تفاصيل حياتنا. مع اقتراب رمضان، كان يفترض أن نجهز أنفسنا للصلاة والعبادة، لكننا اليوم نركض خلف شاحنات الغاز التي لا تأتي، أو نبحث في الركام عن قطعة خشب جافة لنشعل عليها ناراً لا تكاد تنضج الطعام. الاحتلال يتعمد إذلالنا عبر هذه المماطلة، وكأنهم يريدون منا أن نصوم الشهر كله بماء بارد فقط".

وأضاف أبو العبد في حديثه لـ"فلسطين الآن": "أقضي ساعات طويلي في جمع الكرتون وبقايا الأقمشة لأصنع ناراً تكفي لسلق بضع حبات من البطاطس. عيون أطفالي دائماً حمراء من الدخان، وأنا أشعر أن صدري يحترق قبل الحطب. كيف سأصمد في رمضان؟ الصيام يحتاج لسحور يقوي الجسد، وإفطار يرمم التعب، وبدون غاز، سيكون صيامنا عبارة عن جوع فوق جوع".

وختم حديثه: "رسالتي للعالم هي أن رمضان على الأبواب، وأهل غزة لا يطلبون معجزات، فقط نريد أبسط مقومات الحياة. غياب الغاز يعني أن مئات آلاف العائلات لن تتمكن من تحضير السحور أو الإفطار بكرامة. لا تتركونا نصوم ونفطر على الدخان السام، فالمماطلة في إدخال الغاز هي سلاح تجويع جماعي لا يقل خطورة عن الرصاص".

المصدر: فلسطين الآن