على وقعِ أناتِ الجوعِ وأزيزِ الطائرات التي لم يخرسها اتفاقُ "التهدئة" الهش، يطرقُ شهر رمضان المبارك أبواب قطاع غزة المثقل بالدماء والدمار. هذا العام، لا فوانيس تضيء أزقة المخيمات التي سُحقت، بل نيرانُ القصف الغادر الذي لا يزال يلاحق النازحين في مراكز الإيواء، ليتحول استقبال الشهر الفضيل من طقسٍ للفرح إلى معركةٍ مريرة من أجل البقاء في ظل انهيارٍ اقتصادي شامل حوّل الأسواق إلى "أطلال" وأفرغ جيوب الناس من ثمن رغيف الخبز.
في "جمهورية الخيام" الممتدة من شمال قطاع غزة حتى خانيونس، يمتزج عبقُ البخور برائحة البارود، وتختفي موائد "العزائم" لتحل محلها "علب المعلبات" الباردة، في واقعٍ تعجزُ الكلمات عن وصف مرارته. هنا غزة، التي يستقبل أهلها رمضان بقلوبٍ مفطورة على "فقد" الأحبة، وبيوتٍ غدت ركاماً، وجيوبٍ لا تجد فيها سوى كرامةٍ تأبى الانكسار، بينما يواصل الاحتلال ممارسة "هواية الدم" رغم كل الوعود الدولية بالهدوء.
يطل رمضان ليعمق "جرح الفقر" الذي استشرى في جسد القطاع؛ حيث باتت أبسط مقومات السحور والإفطار حلماً بعيد المنال لآلاف العائلات التي فقدت معيلها أو مصدر رزقها. "فلسطين الآن" تجولت بين خيام النازحين، ورصدت ملامح "رمضان الجريح" من خلال شهاداتٍ حية تنقل الواقع كما هو، بعيداً عن بريق شاشات السياسة وقريباً من وجع الأرض.
من زينة الحارات إلى ظلام الخيام..
وبكلمات مبكية ودموع تظهر ملامحها بشكل كبير على وجه الحاجة أم محمد والتي تسكن في أحد مخيمات النزوح في دير البلح وسط قطاع غزة، تقول: "والله يا ولدي، ما في غصة بالقلب أكبر من إنك تفتحي عينك برمضان وتلاقي حالك بخيمة لا فيها باب ولا شباك. كنا زمان نسهر نجهز القطايف ونزين الحارة، اليوم صرنا نركض ورا صهريج المي ونلم حطب عشان نولع نار لقمة تسد جوع الصغار. رمضان هاد جاي وإحنا ناقصين، لا الدار موجودة ولا لمة العيلة مثل أول، نصنا تحت التراب ونصنا مشتت بالخيام."
وأضافت في حديثها لمراسل "فلسطين الآن": "التهدئة اللي بيحكوا عنها كذب، مبارح القصف كان قريب من الخيمة، والأولاد صحيوا يصرخوا. كيف بدنا نصوم ونفطر وإحنا بنستنى الموت بكل لحظة؟ الاحتلال ما بده يخلينا نفرح حتى بعبادتنا. كل ما أسمع صوت الطيارة، بضم أحفادي وبقول يا رب ما يجي وقت الإفطار وإحنا أشلاء، بدنا نصلي ونسبح ونعيش هالشهر بسلام".
وتابعت: "الأسعار نار، والجيوب فارغة، والله العظيم بندخل السوق وبنطلع منه بدموعنا. حبة البندورة صارت بالحلم، واللحمة نسينا طعمها وشكلها. كنا نوزع على الجيران أطباق، اليوم صرنا نستنى التكية عشان صحن طبيخ يسكت وجع البطن. حتى الخبز بنعجنُه بالدموع والقهر، وما في قدامنا إلا الصبر، هو زادنا الوحيد بهالشهر الفضيل".
واختتمت حديثها: "رمضان هاد رح يكون أصعب رمضان مر بطل عمرنا، بس رغم كل هالوجع والخيام المهرية، رح نصلي التراويح فوق الأنقاض وتحت السما. الاحتلال بده يكسرنا بالجوع والخوف، بس إحنا شعب ما بيموت. رح نضل صامدين، وبنقول لربنا: "يا رب خذ من دمائنا حتى ترضى"، بس غزة ما رح تركع، ورمضان رح يضل شهر الانتصارات والكرامة مهما اشتد علينا الحصار".
مائدةٌ ناقصة وكراسي فارغة..
بدورها تحدث الحاجة مريم وتسكن في أحد مخيمات النزوح بالقرب من مستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح ودموعها على خذها، وتقول: "كيف بستقبل رمضان؟ بستقبله بالصور والذكريات. هاد أول رمضان بيجي ومكاني على السفرة فاضي من ولادي الثلاثة. كنت أطبخ 'المقلوبة' اللي بيحبها أحمد، وأجهز 'الشوربة' لمحمد، اليوم بكلمهم بالصور وببكي. مرارة الفقد بتوجع يا ولدي أكثر من الجوع. البيت هدوء، والضحكة اللي كانت تملى الدار راحت مع القصف الغادر".
وأضافت في حديثها لمراسل "فلسطين الآن": "الاحتلال كسر قلوبنا قبل ما يكسر بيوتنا. بيقولوا تهدئة، وأنا بقول وين التهدئة وولادي تحت التراب؟ غزة كلها يتامى وأرامل هاد الشهر. كل خيمة فيها أم بتبكي، وكل مائدة رح يكون فيها كراسي فاضية. هاد رمضان الحزن الكبير، بس إيماني بالله كبير إنه ولادي هلأ بيفطروا في الجنة، وإن ربنا رح يجبر بخاطرنا ويعوضنا خير".
وتابعت: "الوجع مش بس في القلب، الوجع في العين اللي بتشوف الدمار كل يوم. لما بمر من قدام دارنا اللي صارت ركام، بتذكر كيف كنا نعلق الزينة على الباب. اليوم الباب طار والدار راحت، وما ضل غير ريحة رمالها. الفقر والجوع بنتحمله، بس وجع الروح كيف بنتحمله؟ الله يصبر كل أم فقدت، وكل زوجة تيتمت، ويجعل هالشهر برد وسلام على قلوبنا المحروقة".
واختتمت حديثها: "بدي أقول لكل الناس، رمضان في غزة هو رمضان الصابرين. إحنا بنصوم عن الأكل، وبنصوم عن الشكوى لغير الله. رغم اليتم والفقر والدمار، رح نضل نفتح بيوتنا (الخيام) لكل محتاج. الغزي ما بيبخل حتى وهو محروم. رح ندعي لولادنا بالرحمة، ولأسرانا بالفرج، ولشعبنا بالنصر. رمضاننا عبادة ورباط، والله معنا ولن يترنا أعمالنا".
الجيوب ميتة والأسواق منهارة..
أما أبو أحمد صاحب محل تجاري مدمر ويعيل 7 أفراد، فيقول: "أنا كان عندي محل ملابس من أكبر المحلات في غزة، واليوم بوقف بالدور عشان كابونة مساعدات. رمضان هاد كسر ظهري كأب، لأني مش قادر أشتري لولادي فانوس صغير يفرحهم. السوق مليان بضاعة غالية بس الجيوب ميتة، والناس بتمشي وبتحكي مع حالها من الهم. كيف بدك تعيل 7 أنفس وإنت ما معك ولا شيكل، والاحتلال حرق رزقك وشقى عمرك؟".
وأضاف أبو أحمد في حديثة لمراسل "فلسطين الآن": "الهدنة اللي بحكوا عنها هي 'هدنة عالورق' بس، والواقع مرير. الأسواق منهارة والسيولة مفقودة، والتجار الكبار بياكلوا الصغار، والاحتلال بيتحكم بكل حبة رز بتدخل غزة. الناس كانت زمان تشتري بالكرتونة، اليوم بيشتروا بالبيضة وحبة الخضار الواحدة. الانهيار الاقتصادي اللي بنعيشه أصعب من القصف نفسه، لأنه قتل بطيء لكرامة الإنسان".
وتابع حديثه: "كنا في رمضان نكرم الضيف ونعمر الموائد، اليوم صرنا نفكر كيف نوفر ربطة خبز للسحور. الفقر نهش بيوتنا، والديون تراكمت، وما في أي أفق للحل. لما بنتي الصغيرة تسألني: يابا شو بدنا نفطر اليوم؟، والله قلبي بيتقطع لأني بعرف إنه ما عندي غير الزعتر والزيت إذا توفر. هاد رمضان القهر والاحتياج، وربنا وحده المطلع على الوجع".
واختتم حديث: "رغم كل هاد، بنحاول نخلق الفرح من تحت الركام. شباب الحارة عملوا زينة من ورق الدفاتر الملون، وبنحاول نوزع الابتسامة رغم غصة القلب. إحنا تجار شاطرين بس تجارة الآخرة هي اللي بتهمنا هلأ. رح نصوم ونصلي، وبنقول للعالم إنه غزة لو جاعت ما بتذل حالها، ورمضان رح يمر وإحنا رافعين الراس بكرامتنا اللي ما بيقدر الاحتلال يقصفها".
ويبقى رمضان في غزة هذا العام شاهداً على أكبر جريمةٍ إنسانيةٍ في العصر الحديث، لكنه في الوقت ذاته، يسطر أعظم ملحمةٍ للصمود والتكافل. فبين خيمةٍ نازحة وجيبٍ خاوٍ وقلبٍ مكلوم، ينبثقُ نور الإيمان ليؤكد أن غزة التي تجوع لا تنكسر، وأن شعباً يستقبلُ رمضان بالصبر والرباط هو شعبٌ أقربُ ما يكون إلى فجر الحرية القادم، مهما طال ليلُ الحصارِ وظلمُ الاحتلال.
