10.57°القدس
10.33°رام الله
9.42°الخليل
14.53°غزة
10.57° القدس
رام الله10.33°
الخليل9.42°
غزة14.53°
السبت 07 مارس 2026
4.1جنيه إسترليني
4.34دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.56يورو
3.08دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.1
دينار أردني4.34
جنيه مصري0.06
يورو3.56
دولار أمريكي3.08
عادل الحامدي

عادل الحامدي

الشرق الأوسط ليس غنيمة حرب

ليست القوة العسكرية وحدها هي التي تصنع الحضارات أو تحفظ الدول من السقوط. فالتاريخ، حين يُقرأ بعينٍ متأملة لا بعين المنتصر العابر، يكشف حقيقة أكثر تعقيدًا: أن الدول قد تبلغ ذروة قوتها في اللحظة التي تبدأ فيها رحلة أفولها. ذلك أن القوة حين تنفصل عن العدل، وتتحول إلى أداة بطش وإعادة تشكيل العالم بالقوة، تصبح في نهاية المطاف عبئًا على صاحبها، مهما بدا في الظاهر أنه يملك مفاتيح الهيمنة.

لقد عرف التاريخ إمبراطوريات امتلكت جيوشًا لا تُهزم، لكنها لم تملك الحكمة التي تحفظ بقاءها. فمن الإمبراطوريات القديمة التي ملأت الدنيا صخبًا وجيوشًا، إلى القوى الاستعمارية الحديثة التي سيطرت على القارات، ظل الدرس يتكرر: لا تقوم الحضارات على القوة وحدها، بل على منظومة أوسع من القيم والشرعية والعدل.

بدل أن تبدأ المواجهة بضربات تدريجية تستهدف البنية العسكرية أو الاقتصادية، جرى الذهاب مباشرة إلى قمة الهرم السياسي والديني للنظام، وكأن المطلوب إحداث صدمة كبرى تقلب موازين الدولة من الداخل.وفي زمننا الراهن تبدو القوة الأمريكية وكأنها القوة الغالبة في النظام الدولي. فمنذ نهاية الحرب الباردة تصرفت الولايات المتحدة بوصفها القوة القادرة على إعادة رسم خرائط العالم، مستخدمةً أدوات متعددة: الاقتصاد، والعقوبات، والضغط السياسي، ثم القوة العسكرية حين تفشل الأدوات الأخرى.

وقد شهد العالم نماذج واضحة لهذا المسار. ففي أفغانستان خاضت الولايات المتحدة أطول حروبها المعاصرة، وانتهت بعد عشرين عامًا بانسحاب مرتبك ترك البلد يعود إلى النقطة التي بدأ منها تقريبًا. وفي العراق أُسقط نظام بالقوة العسكرية الهائلة تحت ذرائع ثبت لاحقًا أنها واهية، ليتحول البلد بعد ذلك إلى ساحة فوضى وصراعات ما زالت آثارها تضرب استقرار المنطقة كلها. وفي فنزويلا جُربت أقسى أشكال الحصار الاقتصادي والسياسي دون أن يتحقق الهدف المعلن بإسقاط النظام.

أما اليوم، فإن الحرب على إيران لم تعد مجرد احتمال في التحليلات، بل بدأت بالفعل في صورة مختلفة عما اعتاده العالم في الحروب التقليدية. فقد انطلقت بطريقة مقلوبة، من الرأس إلى القاعدة، عبر اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، في خطوة تحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة. فبدل أن تبدأ المواجهة بضربات تدريجية تستهدف البنية العسكرية أو الاقتصادية، جرى الذهاب مباشرة إلى قمة الهرم السياسي والديني للنظام، وكأن المطلوب إحداث صدمة كبرى تقلب موازين الدولة من الداخل.

هذا النوع من الحروب يعكس تحوّلًا في طبيعة الصراع الدولي، حيث لم تعد المواجهات تبدأ بالجيوش المتقابلة على الحدود، بل بعمليات نوعية تستهدف القيادة والرمزية السياسية في محاولة لإحداث انهيار سريع. غير أن التاريخ يعلمنا أن مثل هذه الضربات، حتى حين تبدو حاسمة في بدايتها، لا تضمن النتائج التي يتوقعها أصحابها.

فالسياسة التي تراهن على الضربة القاصمة غالبًا ما تكشف عن عجز في القدرة على إدارة صراعات طويلة ومعقدة. والحضارة التي تحتاج إلى الاغتيالات والضربات الصادمة لتأكيد حضورها في العالم تكشف، في العمق، عن أزمة رؤية أكثر مما تكشف عن فائض قوة.

إن ما يجري في منطقتنا العربية والإسلامية خلال العقود الأخيرة لا يمكن فهمه دون الاعتراف أولًا بخللنا الداخلي. فالدول التي تغيب فيها الحرية، وتضعف فيها المؤسسات، وتُصادر فيها إرادة الناس، تصبح أكثر عرضة للتدخلات الخارجية والصراعات الدولية. والمنعة الحقيقية لأي مجتمع تبدأ من الداخل: من العدالة، ومن المشاركة السياسية، ومن قدرة المجتمع على إنتاج شرعية تحميه من الانهيار.

لهذا كان ما شهدته المنطقة من حروب وانقسامات وتدخلات نتيجة مركبة لعاملين: ضعف داخلي عميق، وتنافس دولي يستغل هذا الضعف. لكن إدراك هذا الخلل الداخلي لا يعني القبول بفكرة أن مصير المنطقة قد تقرر، أو أن الهيمنة الخارجية قدر تاريخي لا يمكن تغييره.

الدول التي تغيب فيها الحرية، وتضعف فيها المؤسسات، وتُصادر فيها إرادة الناس، تصبح أكثر عرضة للتدخلات الخارجية والصراعات الدولية. والمنعة الحقيقية لأي مجتمع تبدأ من الداخل: من العدالة، ومن المشاركة السياسية، ومن قدرة المجتمع على إنتاج شرعية تحميه من الانهيار. فالمتابع للمواقف الغربية عمومًا، والأمريكية خصوصًا، تجاه منطقتنا يلاحظ شيئًا لافتًا: أن ما يبدو في ظاهره سياسة قوة لا يخلو في حقيقته من ارتباك واضح وغياب رؤية طويلة المدى. فالقرارات تتبدل بسرعة، والتحالفات تُبنى ثم تُهدم، والاستراتيجيات تعلن ثم تُستبدل بغيرها. وفي كثير من الأحيان تبدو القوة العسكرية وكأنها الحل الوحيد حين تعجز السياسة عن إيجاد حلول مستدامة.

وهذا بالضبط ما يعتبره مؤرخو الحضارات أحد مؤشرات الضعف الخفي في القوى الكبرى. فالإمبراطوريات القوية حقًا لا تحتاج إلى استخدام القوة باستمرار، لأنها تملك شرعية سياسية واقتصادية تجعل الآخرين يقبلون بقيادتها أو يتعايشون معها. أما حين تصبح القوة العسكرية هي اللغة الأساسية للعلاقات الدولية، فإن ذلك غالبًا ما يكون علامة على تآكل النفوذ الحقيقي.

وفي قلب هذا المشهد تبرز مسألة الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، وهي فكرة يجري الترويج لها بوصفها قدرًا لا مفر منه. غير أن التاريخ يعلمنا أن الهيمنة الدائمة لم تتحقق لأي قوة في هذه المنطقة عبر القهر وحده. فالشرق الأوسط كان دائمًا فضاءً متحركًا تتغير فيه موازين القوة باستمرار، وتتبدل فيه الدول والإمبراطوريات.

لقد مرت على هذه المنطقة قوى كبرى ظنت أن سيطرتها ستدوم قرونًا، لكنها لم تلبث أن تراجعت حين اختلت موازين العدل والاستقرار. فالجغرافيا المعقدة، والتاريخ العميق، وتنوع الشعوب والثقافات، كلها عوامل تجعل من الصعب إخضاع المنطقة لإرادة قوة واحدة لفترة طويلة.

إن الحديث عن هيمنة إسرائيلية دائمة على المنطقة يتجاهل أحد أهم دروس التاريخ: أن القوة التي لا تقوم على عدالة سياسية واستقرار إقليمي تتحول مع الزمن إلى مصدر صراع دائم، لا إلى أساس لنظام مستقر.

إن التاريخ لا يسير في خط مستقيم، ولا توجد قوة تستطيع أن تعلن نفسها نهاية التاريخ. فالحضارات تصعد حين تجمع بين القوة والعدل، وتسقط حين تكتفي بالقوة وتفقد العدالة. وهذا الدرس البسيط، الذي تكرر عبر القرون، ما زال صالحًا لفهم عالمنا اليوم.

أما منطقتنا، رغم كل ما أصابها من ضعف وانقسام، فهي لم تخرج من التاريخ، ولن تُختزل في لحظة هزيمة أو اختلال. فالأمم، مثل الأفراد، قد تمر بسنوات من التيه، لكنها قادرة على استعادة توازنها حين تستعيد شرطها الأول: الحرية التي تصنع القوة، والعدل الذي يحفظها.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن