في الوقت الذي تزعم فيه أوساط الاحتلال أن القدرات الإيرانية قد تضررت بالفعل بسبب الحرب الجارية، مما يعني إضعافها سياسياً، لكن ذلك يعني تعزيز الثقل الإقليمي لتركيا، وهذا ينظره تهديد استراتيجي لا يقل خطورة عن إيران.
وذكرت الخبيرة في الجغرافيا السياسية والأزمات الدولية، عنات هوخبرغ-ماروم، أنه "منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" وإيران، حرصت تركيا على الحفاظ على حياد حذر في محاولة محسوبة لتجنب تصعيد التوترات مع الجانبين، لكن الواقع الإقليمي أكثر تعقيدًا، فقد وصف الرئيس رجب طيب أردوغان الهجمات على إيران بأنها "انتهاك صارخ للقانون الدولي"، وأعرب عن حزنه لوفاة خامنئي، ولم يتردد باتهام "إسرائيل" بالاستفزازات التي أدت للتصعيد، لكن تحت السطح، تجري ديناميكية معاكسة".
وأضافت في مقال نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، أنه "بينما تواصل الولايات المتحدة و"إسرائيل" استهداف مواقع داخل إيران، تجد تركيا نفسها، رغماً عنها تقريباً، في قلب أزمة إقليمية متفاقمة، فالديناميكيات السريعة في المنطقة تجعل من الصعب عليها البقاء على الحياد، فإغلاق مضيق هرمز، وتزايد الهجمات الإيرانية على دول الخليج، واضطرابات تدفق الطاقة، وتكاليف الحرب، وموجة جديدة من اللاجئين من إيران، كلها عوامل تُشكل واقعاً أمنياً واقتصادياً معقداً لأنقرة".
وأوضحت أن "اعتراض أنظمة الناتو صاروخًا باليستيًا إيرانيًا كان في طريقه للأجواء التركية، وهو حدث سارعت طهران لنفيه، لكن أنقرة لا تستطيع تجاهله، ويُبرز هذا الحدث مدى هشاشة البيئة الأمنية الإقليمية، ومحدودية قدرتها على الاستمرار بالحفاظ على موقف محايد كنوع من الضمانة الاستراتيجية ضد التدهور الإقليمي، مما يعني إجبارها على الاستعداد لسلسلة سيناريوهات متطرفة، بدءًا من انهيار النظام الإيراني، وصولًا لحرب أهلية طويلة الأمد، وكل منها قد يُشكل تحديات استراتيجية وأمنية واقتصادية وطاقية كبيرة لأنقرة".
وأكدت أن "توسيع الحرب ضد إيران، وإضعافها، يبدو سلاحًا ذا حدين لتركيا، فعلى المدى القصير، يُعزز تقويض قدرات الأولى ثقل الأخيرة الإقليمي كأقوى دولة غير عربية في الشرق الأوسط، مما يسمح لها بتعميق قبضتها على شمال سوريا والعراق، مع إبعاد نفوذ طهران عن بغداد ودمشق، واستغلال التغير في خريطة الطاقة في آسيا الوسطى لصالحها، ويُعزز مكانتها كمركز محوري للتجارة والخدمات اللوجستية لنقل النفط والغاز من بحر قزوين إلى أوروبا، بل ويُوسع نفوذها السياسي والثقافي في إطار رؤية "العالم التركي".
وأشارت أنه "على المدى البعيد، قد يُشكل ضعف طهران تهديدًا استراتيجيًا لأنقرة، فالفراغ السياسي فيها قد يُحيي التطلعات القومية الكردية، وقد يُؤدي لقيام حكم ذاتي كردي فعلي في شمال البلاد، وإنشاء منطقة كردية متصلة تمتد من إيران عبر العراق وسوريا إلى البحر المتوسط، وهو ما تعتبره تركيا تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي".
وأوضحت أن "الانهيار الاقتصادي أو الفوضى السياسية أو الحرب الأهلية في إيران قد تنتشر بسرعة في جميع أنحاء المنطقة، مُلحقةً الضرر بسلاسل الإمداد وطرق الطاقة، ومُزعزعةً استقرار دول الخليج وتركيا، بل ومُشعلةً موجة هجرة جماعية لملايين اللاجئين الإيرانيين".
وأضافت أن "استمرار الحرب الاسرائيلية الأمريكية على إيران، يجعل تركيا تخشى من تصعيد التهديدات ضدها من "إسرائيل" واليونان وقبرص، ويُقلّص من حريتها في العمل الاستراتيجي، وفي ظل هذه التطورات، يسعى أردوغان لاستغلال علاقته الشخصية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في محاولة لكبح جماح "إسرائيل"، وضمان عدم تهميش تركيا في تشكيل النظام الإقليمي الناشئ".
وأكدت أن "يزداد الوضع تعقيداً بالنسبة لتركيا بنشر القوات اليونانية في قبرص للدفاع عنها من الهجمات الإيرانية، وهي خطوة تعتبرها توسيعاً لميزان القوى الإقليمي على حسابها، وتحدياً إضافياً لموقعها في شرق المتوسط، وفي الوقت نفسه، تواجه ضغوطًا اقتصادية هائلة: فارتفاع أسعار النفط في بلد يستورد 70 بالمئة من احتياجاته من الطاقة، يُفاقم انخفاض قيمة الليرة، ويُجبر البنك المركزي على استخدام احتياطياته من النقد الأجنبي بوتيرة متسارعة".
وأشارت أنه "من منظور استراتيجي أوسع، تُناور تركيا بين جميع الأطراف الفاعلة في الساحة: فهي تُوجّه انتقادات حادة لـ"إسرائيل"، لكنها تسمح بشكل غير مباشر باستخدام الأسلحة ضدها؛ وتتصرف كدولة حذرة في حلف الناتو، مُتخوفة من التصعيد الإقليمي، بينما تُحافظ في الوقت نفسه على حدود مستقرة مع إيران، بطول 534 كيلومترًا منذ أكثر من 300 عام، وهذا الموقف يُمكّنها من ترسيخ مكانتها في العالم الإسلامي كدولة لا تتعاون مع "إسرائيل" والولايات المتحدة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على شرعيتها الإقليمية".
وأوضحت أن "الحياد النسبي لأنقرة يمنحها هامشاً سياسياً للمناورة، فهو يسمح لـ"إسرائيل" باحتواء إيران، دون الوصول لموقع استراتيجي يُقوّض نفوذها في المنطقة، وبهذه الطريقة، تستطيع تذكير تل أبيب والغرب بأنه رغم أنها ليست طرفاً في الحرب، لكن من الصعب ضمان خطوط طاقة مستقرة إلى أوروبا بدونها، وهو ما يُمثّل ورقة ضغط مهمة لها في قضايا مثل صفقة طائرات إف-16، ورفع العقوبات، وزيادة الاستثمارات الأجنبية".
وأكدت أن "أنقرة تسعى لترسيخ مكانتها الإقليمية، ومركزاً محورياً للطاقة، ولاعباً أساسياً في إطار الناتو بين أوروبا وروسيا، لكن الأمر أشبه بمشيها على حبل مشدود: فأي خطأ استراتيجي كالانحياز المفرط لأحد الأطراف، أو إلحاق الضرر بالبنية التحتية للطاقة مثل إتلاف إيران لخط أنابيب النفط باكو-جيهان الذي ينقل النفط لإسرائيل عبر تركيا، أو ارتفاع آخر في أسعار النفط والغاز، مما قد يحوّل الفرصة الجيوسياسية إلى عبء اقتصادي وسياسي ثقيل".
