في وقتٍ تئن فيه غزة تحت وطأة حربٍ أتت على الأخضر واليابس، لم تعد جبهات القتال وحدها ساحةً للاستنزاف؛ إذ يبرز اليوم فصلٌ جديد وخطير من فصول التصفية الممنهجة، يستهدف ما تبقى من خيوط الأمان في القطاع. لم يعد ضابط الشرطة الفلسطيني يخشى غارةً جوية فحسب، بل بات هدفاً مباشراً لعمليات اغتيال ميدانية تُنفذ أثناء ممارسته لواجباته اليومية، في سعيٍ واضح لتقويض ما تبقى من بنية مدنية وأمنية.
هذا التصعيد لا يأتي في سياقٍ عسكري معزول، بل يتزامن مع تحولاتٍ مريبة على الأرض؛ حيث تطل "مليشيات مسلحة" برأسها في مناطق النزاع، مدعومةً بضوء أخضر من جيش الاحتلال، لتعميق حالة الانفلات وتكريس الانهيار. وبين ركام البنية التحتية المهدمة ومحاولات فرض واقع أمني بديل، يجد المجتمع الغزي نفسه أمام تساؤل مصيري: هل ينجح مخطط "تفريغ القطاع من سلطة القانون" وتحويله إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات والمليشيات؟
استهداف السيادة الإدارية
ويرى المحلل السياسي أيمن محمد، أن استهداف الشرطة هو "قرار سياسي بامتياز" يهدف إلى تقويض أي مظهر من مظاهر السيادة الوطنية أو الإدارية داخل غزة، مبيناً أن الاحتلال يدرك أن وجود رجل الشرطة في الشارع يعني استمرار تماسك الجبهة الداخلية، وهو ما يسعى الاحتلال لضربة عبر تحويل مهام الأمن إلى مغامرة محفوفة بالموت.
ويضيف المحلل في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن إسرائيل تحاول عبر هذا الاستهداف خلق "فراغ سلطوي" لإجبار المجتمع الدولي على قبول طروحاتها حول "إدارة بديلة" للقطاع. فبمجرد غياب الشرطة، تبرز عصابات السرقة وتجار الحروب، مما يصور غزة للعالم كمنطقة "فوضى" تحتاج إلى تدخل أمني خارجي أو سيطرة إسرائيلية مباشرة.
ويختم المحلل بالقول إن صمود هؤلاء العناصر واستمرارهم في العمل رغم الاستهداف المباشر، يمثل "فشلاً أمنياً" للاحتلال. فالمؤسسة الشرطية في غزة أثبتت قدرتها على العمل تحت الأرض وفي أصعب الظروف، مما يعزز من مفهوم "الأمن المقاوم" الذي يرفض الانكسار أمام مخططات التصفية السياسية.
باقون في الميدان
وبنبرة يملؤها الإصرار والتحدي، أكد العقيد (ن.ج)، أن مهامهم الحالية تتركز بالدرجة الأولى على "الجانب الإنساني والخدماتي". مبيناً أن الشرطة اليوم لا تطارد المجرمين التقليديين فحسب، بل تحمي الأسواق من الاحتكار، وتؤمن نقاط توزيع المياه، وتحاول منع المشاجرات الناتجة عن الضغط النفسي الهائل الذي يعيشه النازحون.
وحول المخاطر، يشير العقيد في حديثه لـ"فلسطين الآن"، إلى أن "الزي العسكري صار هدفاً للطائرات المسيرة". لقد فقد الجهاز المئات من عناصره وهم يقومون بمهام مدنية بحتة، مثل تنظيم طوابير الخبز أو حماية قوافل الطحين. الاحتلال لا يفرق بين ضابط إداري وبين مقاتل، فكل من يفرض النظام هو "عدو" في نظرهم.
ويوضح العقيد أن هناك محاولات مستمرة من الاحتلال للتواصل مع جهات محلية للقيام بمهام أمنية بديلة، لكن الوعي الشعبي والوطني أفشل هذه المخططات. الشرطة لا تزال هي المرجعية التي يلجأ إليها المواطن عند وقوع أي خلاف، وهذا الالتفاف الشعبي هو ما يمنح العناصر القوة للاستمرار رغم خطر القصف.
ويختتم العقيد حديثه بالقول: "نحن جزء من هذا الشعب، وقرارنا هو البقاء في الميدان حتى لو كلفنا ذلك حياتنا". إن الحفاظ على السلم الأهلي ومنع انهيار المجتمع من الداخل هو "معركة وطنية" لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية، ولن نسمح للاحتلال بتحويل شوارع غزة إلى ساحات للنهب والبلطجة.
صمام أمان المجتمع
ويقول المواطن (أبو محمد)، وهو نازح في مخيمات الوسطى، إن غياب الشرطة عن أي منطقة يعني "الرعب الحقيقي". ويضيف: "عندما نرى رجل الشرطة، نشعر أن هناك قانوناً يحمينا، فبدونهم يتحول توزيع المساعدات إلى غابة ينجو فيها القوي فقط ويهلك الضعيف والنساء والأطفال".
ويؤكد (أبو محمد) في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن الناس يدركون جيداً هدف الاحتلال من هذا الاستهداف، ويقول: "هم يريدوننا أن نتقاتل على كيس الطحين، يريدون أن يسرق اللصوص خيامنا ولا نجد من نشتكي إليه". لكنه يشدد على أن المواطنين يتعاونون بشكل تطوعي مع ما تبقى من عناصر الأمن للحفاظ على الحد الأدنى من النظام.
وفي ختام حديثه، يوجه المواطن رسالة للعالم بأن "الشرطة في غزة هي صمام أمان اجتماعي". إن استهدافهم هو استهداف لكل بيت فلسطيني، لأن الفوضى لا تخدم إلا المحتل الذي يريد تحويل قطاع غزة إلى مكان غير قابل للحياة، ليس فقط بسبب القصف، بل بسبب انعدام الأمن والأمان الشخصي.
