17.23°القدس
16.99°رام الله
16.08°الخليل
19.33°غزة
17.23° القدس
رام الله16.99°
الخليل16.08°
غزة19.33°
الأحد 19 ابريل 2026
4جنيه إسترليني
4.17دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.48يورو
2.96دولار أمريكي
جنيه إسترليني4
دينار أردني4.17
جنيه مصري0.06
يورو3.48
دولار أمريكي2.96

الاستيطان في الضفة.. تسارع غير مسبوق يعيد رسم الجغرافيا

Cture55.jpg
Cture55.jpg

تشهد الضفة الغربية في المرحلة الراهنة تصعيدًا متسارعًا في وتيرة الاستيطان، يتجاوز الأطر التقليدية للتوسع التدريجي، متجهًا نحو نمط أكثر كثافة وتنظيمًا، مدفوعًا بسلسلة من قرارات المصادرة وتخصيص الأراضي لصالح مشاريع استيطانية جديدة.

وفي ظل مؤشرات متزايدة على وجود نية مبيتة لإقامة عشرات البؤر الاستيطانية، تتجه السياسات الإسرائيلية نحو إعادة تشكيل الخريطة الجغرافية والديموغرافية للضفة، عبر فرض وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها مستقبلًا.

ولا يقتصر هذا التصعيد على الجانب التخطيطي أو القانوني فحسب، بل يترافق مع ارتفاع ملحوظ في وتيرة الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم، في ظل بيئة تسمح بتكريس هذه الممارسات كأداة موازية لفرض السيطرة على الأرض.

وبين قرارات رسمية تُشرعن التوسع، وسلوك ميداني يعزز مناخ العنف والضغط، تتبلور مرحلة جديدة من الاستيطان تقوم على الجمع بين التخطيط المؤسسي والانفلات الميداني، بما يضاعف من تعقيدات الواقع في الضفة الغربية، ويضعه أمام تحولات عميقة مفتوحة على سيناريوهات أكثر حدة في المرحلة المقبلة.

من جانبه، يقول المتخصص بالشأن الإسرائيلي، عزام أبو العدس إنّ هذه القرارات وتلك الاعتداءات تأتي في سياق أوسع يرتبط بطبيعة الخطاب السياسي داخل "إسرائيل" خلال فترة الحرب، مشيرًا إلى أن الإعلام الإسرائيلي، لا سيما المنصات القريبة من اليمين الحاكم، بات يتعامل مع الضفة الغربية بوصفها "ساحة مفتوحة لإعادة رسم الحدود الفعلية لإسرائيل"، بعيدًا عن أي التزامات سياسية سابقة.

ويوضح أبو العدس أن الزيادة الكبيرة في عدد المستوطنات المصادق عليها دفعة واحدة تعكس وجود "توافق داخل الائتلاف الحاكم" على استغلال اللحظة الإقليمية والدولية، حيث تُطرح مشاريع كانت في السابق تواجه بتحفظات أمنية أو سياسية، لكنها تمر اليوم بسلاسة نسبية تحت عنوان "الضرورة الأمنية" و"تعزيز العمق الاستراتيجي".

ويشير إلى أن التحفظ الذي أبداه رئيس الأركان لا يُفهم، في قراءة الإعلام الإسرائيلي، كرفض للمشروع، بل كخلاف تقني حول آليات التنفيذ والتوقيت، ما يعني أن المؤسسة العسكرية نفسها لم تعد تعارض جوهر التوسع الاستيطاني، بل تسعى إلى تنظيمه بما يتلاءم مع قدراتها الميدانية.

كما يلفت أبو العدس إلى أن مسألة إبقاء القرار سريًا تعكس حساسية العلاقة مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل إدارة تحاول الحفاظ على توازن دقيق في المنطقة، لكنه يضيف أن "التجربة الإسرائيلية المتراكمة" تُظهر أن الحكومات تميل إلى فرض الوقائع على الأرض أولًا، ثم التعامل مع ردود الفعل الدولية لاحقًا.

ويرى أن إدراج مستوطنات داخل مناطق محاطة بأراضٍ فلسطينية يشير إلى توجه متعمد لخلق "بؤر سيادية إسرائيلية" داخل النسيج الفلسطيني، بما يعقّد أي سيناريو مستقبلي للحل السياسي، ويجعل من فكرة الانفصال الجغرافي بين الطرفين أكثر صعوبة.

ويختم أبو العدس بأن الإعلام الإسرائيلي يقدّم هذه الخطوة كجزء من "معركة على هوية الأرض"، وليس مجرد توسع عمراني، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، تحوّلًا عميقًا في العقيدة السياسية الإسرائيلية، من إدارة الصراع إلى السعي لحسمه ميدانيًا عبر إعادة تشكيل الجغرافيا.

من جهته، يرى الناشط في مجال مقاومة الاستيطان بشار القريوتي، أن ما كُشف عنه لا يمكن التعامل معه كقرار تخطيطي عابر، بل هو "تحول استراتيجي خطير" في مقاربة حكومة الاحتلال لملف الضفة الغربية، ويعكس بحسب وصفه، انتقالًا من سياسة التوسع التدريجي إلى "سياسة القفزات الكبرى" التي تهدف إلى فرض وقائع نهائية على الأرض خلال فترة زمنية قصيرة، مستغلة انشغال العالم بالحرب.

ويؤكد القريوتي أن إنشاء مستوطنات داخل "جيوب فلسطينية" في شمال الضفة، خصوصًا في مناطق شمال السامرة، يحمل أبعادًا تتجاوز الاستيطان التقليدي، إذ يسعى الاحتلال، وفق تقديره، إلى تفتيت الجغرافيا الفلسطينية إلى كانتونات معزولة، بما يقضي فعليًا على أي إمكانية لقيام تواصل جغرافي حقيقي بين المدن والبلدات الفلسطينية.

ويضيف أن أخطر ما في القرار هو البند المتعلق بإنشاء البنية التحتية قبل إسكان المستوطنين، معتبرًا أن ذلك "يعكس نية تنفيذية جاهزة وفورية"، وليس مجرد مخطط قابل للتأجيل أو التجميد تحت الضغط الدولي، كما جرت العادة في مراحل سابقة. ويرى أن هذه الخطوة ستسرّع من عمليات المصادرة الفعلية للأراضي، حتى قبل وصول المستوطنين إليها.

ويحذر القريوتي من أن إقامة مستوطنات في مناطق نائية يصعب وصول الجيش إليها بانتظام قد تكون مقدمة لتوسيع ظاهرة "الميليشيات الاستيطانية المسلحة"، التي ستتولى، بشكل غير رسمي، فرض السيطرة على تلك المناطق، ما يعني تصعيدًا خطيرًا في مستوى الاحتكاك مع الفلسطينيين.

ويختم بالقول إن إبقاء القرار سريًا في مرحلته الأولى يكشف إدراك الاحتلال لحجم الرفض الدولي المتوقع، لكنه في الوقت ذاته يعكس "ثقة متزايدة بغياب ردع حقيقي"، داعيًا إلى تحرك فلسطيني عاجل على المستويين الشعبي والرسمي لمواجهة هذا المسار الذي "يستهدف ما تبقى من الأرض قبل أي مسار سياسي مستقبلي".

وتجدر الإشارة إلى أن مصادر إعلامية عبرية كشفت مؤخرًا أن المجلس الوزاري السياسي الأمني الإسرائيلي صادق سرًا على إنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، في خطوة وُصفت بأنها الأكبر من نوعها التي تُقر دفعة واحدة، وذلك خلال فترة الحرب الجارية في المنطقة.

وبحسب المصادر، فإن القرار يرفع عدد المستوطنات التي تمت الموافقة عليها إلى 103، بعد أن كان العدد 69 في قرارات سابقة، ما يعكس تسارعًا غير مسبوق في وتيرة التوسع الاستيطاني.

وأفادت المصادر أن من بين المواقع التي تمت الموافقة عليها مناطق داخل جيوب فلسطينية في شمال الضفة، خاصة في منطقة شمال السامرة، إضافة إلى نقاط نائية يصعب وصول الجيش إليها بشكل منتظم.

كما يشمل القرار إنشاء مستوطنات تحمل أسماء مثل "نوعا" و"عمق دوتان"، حيث ستُقام داخل مناطق محاطة بأراضٍ فلسطينية، في خطوة قد تؤدي إلى تعقيد الواقع الجغرافي والسياسي في تلك المناطق.

وفي سياق متصل، أبدى رئيس أركان جيش الاحتلال تحفظات خلال الاجتماع بسبب محدودية القوى البشرية، مطالبًا بتنفيذ المشروع على مراحل، إلا أن هذه التحفظات لم تمنع إقرار الخطة.

وبحسب التقرير، قررت حكومة الاحتلال إبقاء القرار سريًا لتجنب ضغوط دولية، خاصة من الولايات المتحدة، قبل أن يُكشف عنه لاحقًا بموافقة الرقابة العسكرية.

ويتضمن القرار بندًا غير مسبوق يقضي بالبدء في إنشاء البنية التحتية من كهرباء ومياه للمستوطنات قبل الشروع في إسكانها، ما يشير إلى نية تسريع تنفيذ المشروع على الأرض.

المصدر: قدس برس