يشهد قطاع غزة منذ أسابيع تصاعدا لافتا في عمليات الاقتحام وإطلاق النار التي تنقذها الميليشيات المسلحة المتمركزة شرق القطاع التي تستهدف مخيمات النازحين ومناطق سكنية متفرقة، وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة على الوضع الأمني والإنساني في القطاع.
وأفاد مصدر في أمن المقاومة بغزة أن الميليشيات المسلحة كثفت من عملياتها خلال الساعات الـ48 الأخيرة، لا سيما في مدينتي "خان يونس" جنوبا، وغزة شمالا، في حين تمكنت المقاومة من إحباط محاولة اقتحام استهدفت مستشفى "شهداء الأقصى" وسط القطاع.
في حين شهدت خيام النازحين في مواصي رفح والأطراف الجنوبية لمدينة "خان يونس"، للمرة الثانية خلال الشهر الجاري، إطلاق نار كثيف وعشوائي من قبل عناصر هذه الميليشيات، ما أسفر عن استشهاد مواطنة حامل في شهرها السادس وإصابة عدد آخر بجروح متفاوتة.
كما اندلعت مواجهات مسلحة عنيفة في مناطق شرق ووسط خان يونس، بعد محاولة مقاومين، بمساندة الأهالي، التصدي لهجوم مماثل نفذته هذه المجموعات.
وتأتي هذه التطورات عقب إعلان المدعو غسان الدهيني، الذي يوصف بقائد الميليشيات في رفح، نيته تنفيذ عمليات تحت مسمى "ردع العدوان"، زاعما استهداف عناصر من حركة "حماس"، إلا أن العمليات طالت المدنيين وخيام النازحين.
وبحسب مصدر أمني أكد، أن "تصاعد نشاط هذه الميليشيات يتزامن مع انطلاق جولة المفاوضات غير المباشرة في القاهرة بين الفصائل الفلسطينية ودولة الاحتلال، مشيرا إلى أن هذه المجموعات تسعى من خلال عملياتها إلى فرض حضورها في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالمرحلة المقبلة في القطاع".
مضيفا أن "هذه الميليشيات تلقت مؤخرا تدريبات تحت إشراف جهات إسرائيلية، شملت استخدام السلاح، والتعرف على تكتيكات المقاومة، وتنفيذ عمليات اقتحام في المناطق الواقعة خلف "الخط الأصفر"، بهدف رفع كفاءتها القتالية".
ويرى مراقبون أن هذه المجموعات انتقلت من عمليات نهب المساعدات الإنسانية إلى تنفيذ هجمات أكثر تنظيما، بينها محاولات اغتيال تستهدف قيادات ميدانية، ما يشكل تهديدا مباشرا للبنية الأمنية الداخلية، فضلا عن محاولات خلق حالة من الفوضى في بعض المناطق.
كما استغلت هذه الميليشيات حالة الفراغ الأمني الناتج عن الحرب، وسعت إلى فرض سيطرة مسلحة في بعض المناطق، ما دفع أجهزة أمن المقاومة إلى تنفيذ عمليات ملاحقة، كان آخرها في خان يونس.
وتشير تقديرات أن بعض هذه المجموعات تسعى إلى تشكيل قوة أمنية بديلة في القطاع ضمن سيناريوهات ما بعد الحرب، وهو ما يتطلب – وفق مراقبين – خلق بيئة من الفوضى وعدم الاستقرار لتبرير وجودها.
وفي هذا السياق، حذرت منصة "الحارس" التابعة لأمن المقاومة من أساليب تستخدمها هذه المجموعات، من بينها توزيع مواد غذائية وسجائر لاستدراج المدنيين، بهدف استخدامهم كدروع بشرية وتأمين تحركاتها، داعية المواطنين إلى عدم التجمع حول هذه العناصر.
بدوره اعتبر الخبير الأمني رامي أبو زبيدة من غزة، أن "هذه الميليشيات تحاول فرض سيطرة أمنية قائمة على الترهيب، مستفيدة من الظروف الإنسانية الهشة التي يواجهها القطاع، وهو ما يعكس سعيا واضحا لتحويل بعض المناطق إلى بيئات رخوة يمكن التحكم بها أمنيا واجتماعيا".
مضيفا في تحليل عبر صفحته على "الفيسبوك"، أن "هذه الأنماط من الهجمات تحمل رسائل متعددة أبرزها محاولة إثبات القدرة على الاختراق والوصول إلى عمق المجتمع وخلق نموذج "أمن بديل" قائم على الفوضى إلى جانب الضغط باتجاه نزع سلاح المقاومة، فضلا عن خلط الأوراق بين المقاومة والفوضى الداخلية لتشويه البيئة الحاضنة للمقاومة، وتمهيد الطريق لأي تدخل عسكري لاحق تحت ذرائع أمنية".
منوها أن "البعد الأخطر في هذا المشهد يتمثل في استهداف المجتمع ذاته، حيث لم يعد المدني مجرد متضرر من هذه العمليات، بل أصبح أداة يُراد توظيفها في الصراع، سواء عبر استخدامه كدرع بشري أو استغلال ظروفه المعيشية لاستقطابه أو الضغط عليه. وهنا تتجلى طبيعة المعركة الحقيقية التي لم تعد تقتصر على البعد الأمني التقليدي، بل تمتد إلى عمق النسيج الاجتماعي".
