لم تعد الطائرات المسيّرة في جبهة جنوب لبنان مجرد وسيلة إسناد ناري عابرة، بل تحولت إلى "رأس حربة" استراتيجي أعاد تعريف قواعد الاشتباك وفرض واقعاً ميدانياً معقداً عجزت التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية "الفائقة" عن فك شفرته حتى اللحظة. هذا السلاح "الشبحي" الصغير، بات يُشكل التحدي الأكبر لقوات الاحتلال المتوغلة، محولاً قرى الحافة الأمامية ومواقع العمق إلى مناطق "انكشاف دائم" لجنود وضباط جيش الاحتلال.
وبينما كانت المنظومات الدفاعية الإسرائيلية تتفاخر بقدرتها على اعتراض الصواريخ الباليستية، وجدت نفسها اليوم أمام "أسراب" من المسيرات الانقضاضية التي تطير على ارتفاعات منخفضة وتستخدم تقنيات "الألياف الضوئية" المحصنة ضد التشويش الإلكتروني.
هذا التحول التقني والميداني وضع قيادة المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال أمام مأزق "الفشل التكنولوجي"، حيث بات الجندي الإسرائيلي يخشى التحرك نهاراً أو حتى الاحتماء داخل الآليات التي تحولت لأهداف سهلة لهذه الطائرات.
إن استمرار هذا "الاستنزاف الجوي" لا يعكس فقط تطور ترسانة حزب الله، بل يكشف عن فجوة استخباراتية وعملياتية عميقة داخل جيش الاحتلال الذي تجاهل تحذيرات سابقة حول هذا التهديد الزاحف. واليوم، مع تصاعد وتيرة الضربات الدقيقة، تبرز المسيرات كأداة ضغط ميداني فعالة تُجبر الاحتلال على إعادة حساباته العسكرية، وسط حالة من الإحباط تسود أروقة القيادة الصهيونية جراء العجز عن حماية "السماء والتحصينات" من ضربات المقاومة.
معادلة استنزاف
ويرى المختص في الشأن الإسرائيلي، عادل شديد، أن قيادة جيش الاحتلال تعيش حالة من "الذهول العملياتي"؛ فالمسيرات لم تعد سلاحاً ثانوياً بل أصبحت البديل الأكثر دقة وفتكاً عن الصواريخ المضادة للدروع. الاحتلال يدرك أن كل جندي أو آلية في جنوب لبنان باتت تحت "عدسات" هذه الطائرات التي تلاحقهم حتى داخل المباني والملاجئ، مما أدى لانهيار مفهوم "المناطق الآمنة" في جبهة القتال.
ويؤكد شديد في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن استخدام تقنية "الألياف الضوئية" (FPV) كانت الصدمة الكبرى؛ فهذه التقنية لا تعتمد على الإشارات اللاسلكية، ما يجعل أنظمة التشويش الإلكتروني الإسرائيلية المتطورة "عديمة الفائدة". بالإضافة إلى بصمتها الحرارية المنخفضة وقدرتها على الانقضاض العمودي السريع، وهو ما يجعل رادارات الدفاع الجوي التقليدية عاجزة عن رصدها أو اعتراضها في الوقت المناسب.
وأضاف: "هناك حالة من "الرعب النفسي" تسود صفوف القوات المتوغلة؛ فالاعترافات الإسرائيلية تتحدث عن لجوء الجنود لأساليب بدائية مثل استخدام الشباك لحماية المواقع أو تقليص الحركة نهاراً والاختباء الدائم". هذا "الشلل الميداني" يعكس نجاح حزب الله في فرض "حظر تجول عسكري" فعلي على مناطق شاسعة في جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة.
وتابع: "التقارير تشير إلى تبادل للاتهامات بين القيادة السياسية والعسكرية؛ حيث يتهم قادة الميدان المستويات العليا بتجاهل الدروس المستفادة من حروب أخرى (مثل أوكرانيا) وعدم توفير حلول تقنية مضادة. مبيناً أن هذا الفشل في الاستعداد لمواجهة "سلاح الألياف الضوئية" رغم التحذيرات المسبقة، فجّر موجة غضب داخل جيش الاحتلال الذي يرى جنوده يسقطون يومياً دون دفاعات كافية.
وختم المختص حديثه: "مسيرات حزب الله فرضت معادلة استنزاف لا يمكن للاحتلال احتمالها طويلاً. إذا لم يجد الجيش حلاً جذرياً وسريعاً، فإن بقاء القوات في الجنوب سيتحول إلى محرقة يومية، هذا السلاح سيبقى الأداة الأقوى للمقاومة لفرض شروطها في أي تسوية سياسية، لأنه أثبت قدرته على تحييد التفوق الجوي والتقني الإسرائيلي بالكامل".
إقرار بالفشل والمواجهة
أقرت القيادة العليا لجيش الاحتلال الإسرائيلي بعجزها العملياتي عن مواجهة مسيّرات حزب الله المتصاعدة بجنوب لبنان. وانتقد قادة الوحدات الميدانية نقص الوسائل الدفاعية التقنية، مع اللجوء إلى حلول بدائية ومرتجلة كالشباك لحماية المواقع، وسط تصاعد الهجمات اليومية ضد قوات الاحتلال.
وأعرب قادة الوحدات القتالية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذين يتواجدون حاليًا في لبنان، عن استيائهم الشديد من تهديد الطائرات المسيّرة، وقلّة الأدوات المتاحة للجيش الإسرائيلي للتعامل معها.
وقال قائد اللواء 282 بالمدفعية، الذي تتواجد قواته حاليًا في لبنان، إن "تهديد الطائرات المسيّرة يمثّل تحديًا عملياتيًا كبيرًا نواجهه، وعلينا التفكير في كيفية تنظيم أنفسنا بشكل أفضل في مواجهة هذا التهديد".
وذكر أحد القادة بالجيش الإسرائيليّ، والذين يقاتل حاليًا في لبنان، بحسب التقرير، إنه "لا يوجد الكثير مما يمكن فعله حيال ذلك، وتتلخص التعليمات التي تتلقاها القوات في: كونوا على أهبة الاستعداد، وإذا رصدتم طائرة مسيّرة، فأطلقوا النار عليها".
وأشار التقرير إلى أن بعض وحدات الجيش الإسرائيلي، "قد بدأت بالفعل في تطوير استجابة مستقلة لهذا التهديد، كنصب شباك فوق المواقع والمنازل والنوافذ، بحيث تعلق الطائرة المسيّرة في الشباك، ولا تصيب هدفها".
وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عبر موقعها الإلكترونيّ ("واينت")، أن "البنية الإستراتيجية" التي وُضعت خلال الأسبوعين الماضيين في جنوب لبنان، باتت "تُعدّ مؤشرا تحذيريا صارخا"، لافتة إلى أنها "تخدم حزب الله، وتضع الجيش الإسرائيلي في موقف عملياتيّ معقّد ومكشوف".
