25.57°القدس
25.33°رام الله
24.42°الخليل
25.43°غزة
25.57° القدس
رام الله25.33°
الخليل24.42°
غزة25.43°
الإثنين 11 مايو 2026
3.96جنيه إسترليني
4.09دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
2.9دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.96
دينار أردني4.09
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي2.9

تقارير "فلسطين الآن"..

بأقدام مثخنة بالجراح.. العداء محمد العبيد يطوي البلاتين ويحصد رابع "ماراثون فلسطين الدولي"

العبيد على يمين الصورة
العبيد على يمين الصورة
خاص-فلسطين الآن

تخرج معجزات الإرادة الفلسطينية من تحت أنقاض البيوت المدمرة في قطاع غزة لتكتب التاريخ بمداد من الصمود والشغف العصي على الانكسار. العداء الغزي الشاب محمد العبيد، الذي طالما تسيّد مضامير الركض كأحد أبرز المواهب الواعدة في ألعاب القوى، يختصر اليوم حكاية جيل كامل تعمد بالوجع. فعلى مدار عام مرير، عاش البطل الشاب متنقلاً بين أسرة المستشفيات وجلسات العلاج الطبيعي الطويلة، إثر إصابة بليغة تعرض لها جراء القصف الإسرائيلي المستمر على القطاع، والذي أسفر كذلك عن استشهاد والديه وعدد من أفراد عائلته في فاجعة هزت أركان حياته.

هذه المعاناة الإنسانية المركبة بين ألم الفقد وعجز الجسد فرضت على العبيد ابتعاداً قسرياً ومؤلماً عن مضماره المحبوب، وسط توقعات قاسية بانتهاء مسيرته الرياضية مبكراً. لكن قبل خمسة عشر يوماً فقط من إشارة البدء لـ "ماراثون فلسطين الدولي" في بيت لحم، اتخذ محمد قراراً ثورياً بانتزاع قطع "البلاتين" المزروعة في قدمه المصابة، معلناً بداية تحدٍ من نوع آخر ضد النظريات الطبية التي جزمت بأن عودته لمجرد الهرولة الخفيفة تتطلب ستة أشهر على الأقل من الراحة السلبية.

ولم تكن رحلة العودة ممهدة بالورود؛ إذ واجه إصرار اللاعب معارضة شديدة من الطواقم الطبية التي حذرت من مضاعفات مزمنة، وتلاها رفض حاسم من مدربه ومكتشف موهبته الذي خشي على مستقبله الرياضي من انتكاسة جديدة قد تقضي على حلمه كلياً. غير أن الإيمان المستقر في قلب العبيد بأن الأحلام الحية لا تدفن تحت الركام، كان المحرك الأساسي لخوض سباق مرير مع الزمن، مستعيناً برحلة علاج طبيعي مكثفة وقاسية لتهيئة قدمه المثقوبة بالرصاص لقطع كيلومترات الماراثون الطويلة.

وفي اللحظة الحاسمة، فاجأ ابن غزة الجماهير والمنظمين بوقوفه على خط البداية متسلحاً بعزيمة الفدائي ومسكوناً بأرواح عائلته الشهيدة، ليركض مسافات طويلة بروح مقاتل يرفض الهزيمة. ولم يكن هذا الحضور شرفياً أو مجرد محاولة بائسة لإكمال السباق، بل تحدى محمد كل التوقعات الفنية والبدنية لينتزع المركز الرابع وسط ذهول الجميع، مجسداً انتصار الإرادة على ترسانة الموت والإصابة، في مشهد مؤثر أبكى الحاضرين ورفع اسم غزة عالياً فوق منصات التحدي.

ركضت بروح عائلتي الشهيدة..

يتحدث البطل محمد العبيد بكثير من الكبرياء الممزوج بالدموع عن كواليس قراره الانتحاري، مبيناً أن فكرة المشاركة كانت الطوق الوحيد الذي أبقاه حياً طوال عام من العجز والألم داخل غرف العلاج. ويشير إلى أن إصراره على إزالة قطع البلاتين في وقت قياسي نبع من رغبته الجارفة في إثبات أن الجسد الفلسطيني قد يمرض لكنه لا يموت، وأن الركض قبالة جدار الفصل العنصري في بيت لحم هو رسالة ديبلوماسية ورياضية واضحة للاحتلال بأن القيود لن تمنع المتسابقين من بلوغ خط النهاية.

ويستذكر العبيد في حديثه لـ"فلسطين الآن"، اللحظات القاسية التي مر بها خلال أمتار السباق الأخيرة، مؤكداً أنه عندما بدأت قدمه تتخشب وبدأ ألم الجروح يشق عظام القدم، لم يرَ أمامه سوى صور والديه الشهداء وأطفال غزة الذين يبحثون عن الحياة وسط الدمار. هذا الحضور الروحي منحه طاقة إعجازية لمواصلة العدو بروح المقاتل لا بقوة العضلات، معتبراً أن الشهداء كانوا يركضون معه ويوجهون خطواته المتعثرة فوق الإسفلت، مما جعله ينسى الوجع البشري ويركز فقط على حتمية الوصول.

وعن اللحظة التاريخية لاجتيازه خط النهاية في المركز الرابع، يصفها الشاب الغزي بأنها لحظة الانعتاق الحر من أسر الإصابة والكسر النفسي الذي أراده له رصاص الاحتلال. ويعترف العبيد بأنه انخرط في بكاء مرير فور توقفه لأن الإنجاز تجاوز الأرقام الرياضية الجافة، ليتحول إلى صفعة حقيقية في وجه الحرب، مهدياً هذا الفوز لشهداء وجرحى الحركة الرياضية في قطاع غزة، والذين ينتظرون الفرصة لإثبات جدارتهم بالحياة والحرية.

ويختتم البطل محمد حديثه بوصف الرياضة كواجهة نضالية مكملة لباقي جبهات الصمود الفلسطيني، موجهاً رسالة ملهمة لكافة الشباب والجرحى في قطاع غزة بضرورة التمسك بأحلامهم مهما بلغت كلفة الدمار. ويشدد على أن الإعاقة الحقيقية هي إعاقة الروح والاستسلام للواقع المرير، مؤكداً أن غزة ستبقى ولادة بالأبطال والمبدعين في كافة الميادين، وأن مسيرته نحو المنصات الدولية والعربية قد بدأت للتو من فوق إسفلت بيت لحم ولن تتوقف عند هذا الحد.

إعجاز رياضي يطيح بكافة النظريات العلمية..

ويكشف الكابتن سمير النباهين، عضو الاتحاد الفلسطيني لألعاب القوى ومدرب اللاعب، عن الأسباب الفنية البحتة التي دفعته لمنع محمد من المشاركة في بداية الأمر، موضحاً أن القوانين الطبية والتدريبية الحديثة تحظر بشكل قاطع بذل أي مجهود بدني عنيف بعد أسبوعين فقط من جراحة إزالة البلاتين. ويعترف النباهين بأنه كان يشعر بمسؤولية أبوية ومهنية ثقيلة تجعله يخشى على مستقبل اللاعب من عاهة مستديمة قد تنهي مسيرته الرياضية إلى الأبد، واصفاً قرار محمد في تلك اللحظة بالانتحار الرياضي غير المحسوب.

ويضيف عضو الاتحاد الفلسطيني في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أنه ذهل تماماً فور رؤيته لمحمد وهو يتمترس على خط البداية بثقة الأبطال، حيث تحول خوفه التدريبي إلى حالة من الدعم والترقب الشديدين لمعجزة ميدانية بدأت تتشكل فصولها أمام عينيه. ويوضح النباهين أنه تابع خطوات محمد بدقة متناهية طوال مراحل الماراثون، مستغرباً من التكتيك العالي والثبات الحركي الذي أبداه اللاعب برغم انقطاعه الطويل عن المعسكرات التدريبية، وتفوقه الملحوظ على عداءين جاهزين بدنياً ومستعدين للبطولة منذ أشهر طويلة.

ويرى النباهين أن انتزاع محمد للمركز الرابع في ظل هذه الظروف الصحية والنفسية المعقدة يعد بمثابة ميدالية ذهبية تاريخية من نوع خاص تضاف إلى سجلات الاتحاد الفلسطيني لألعاب القوى. ويؤكد أن هذا الإنجاز يمثل معجزة رياضية حية ستدرس للأجيال القادمة في كيفية تطويع المستحيل وتجاوز الصدمات الجسدية، موجهاً رسالة للمؤسسات الرياضية الدولية بضرورة الالتفات إلى حجم المواهب المدفونة في غزة والتي تتعرض للإبادة الممنهجة والحرمان من أبسط مقومات البنية التحتية.

وفيما يتعلق بالخطوات العملية القادمة، يعلن النباهين عن تبني الاتحاد الكامل للبطل محمد العبيد من خلال وضع برنامج تأهيلي وصحي خاص يشرف عليه خبراء علاج طبيعي لضمان تعافي قدمه بالكامل وتجنب أي مضاعفات مستقبلية. ويؤكد السعي الحثيث لتأمين معسكرات تدريبية خارجية تليق بالقدرات الإعجازية للاعب، تمهيداً لإعداده بالشكل الأمثل لتمثيل فلسطين في الاستحقاقات الآسيوية والأولمبية القادمة، ليكون سفيراً حياً لكرامة غزة وصمود رياضييها في وجه الطغيان.

المصدر: فلسطين الآن