تكشف المعطيات الميدانية المتلاحقة في قطاع غزة عن مخطط صهيوني خطير يجري تنفيذه بعيداً عن الأضواء، يستهدف قضم المزيد من مساحات القطاع الساحلي الضيق، عبر فرض وقائع جغرافية وعسكرية جديدة تعيد رسم حدود السيطرة الفعلية. هذا التمدد الممنهج، المدعوم بصور الأقمار الصناعية الملتقطة حديثاً والتقارير الدولية الموثقة، يشير إلى تحرك بطيء وثابت لخطوط المواجهة والسيطرة نحو عمق الأحياء السكنية والبلدات الفلسطينية.
ويتمثل هذا المخطط الصهيوني في إعادة تموضع مستمرة للكتل الخرسانية الضخمة، ونقاط الفصل العسكرية، والمراصد الاستراتيجية، مما أفرز واقعاً أمنياً معقداً بات يُصطلح على تسميته في الأوساط التقنية والعسكرية بـ”الخط البرتقالي”. هذا الخط يمثل في الجوهر حداً عسكرياً غير معلن، يعكس توسعاً إضافياً في السيطرة الميدانية المباشرة للاحتلال، ويهدف إلى محاصرة التجمعات السكانية وعزلها عن محيطها الجغرافي.
وفي قراءة رقمية مرعبة لهذا التمدد، تشير التقديرات الميدانية الحديثة إلى أن المنظومة العسكرية الصهيونية قفزت بمساحات السيطرة المسماة سابقاً بـ"الخط الأصفر" من 53% لتلتهم ما يقارب 59% من المساحة الإجمالية لقطاع غزة.
وتذهب تقارير دولية وأمنية مطابقة إلى أبعد من ذلك، مؤكدة أن نسبة السيطرة الفعلية والحظر العسكري المتداخل بلغت نحو 64% من مساحة القطاع، مما يقلص المساحة المتاحة للمواطنين إلى حدودها الدنيا.
ويتحرك هذا الحزام الأمني الخانق تدريجياً نحو الغرب، ملامساً في عدة مقاطع ومحاور "طريق صلاح الدين" الأثري، الذي يشكل الشريان الحيوي الرئيسي والرابط الوحيد بين شمال القطاع وجنوبه. هذا الاقتراب الميداني من خطوط المواصلات الرئيسية يهدد بشكل مباشر بقطع أوصال القطاع بالكامل، وتحويل مدنه ومخيماته إلى معازل منفصلة تخضع للتحكم الأمني والعسكري الصهيوني المباشر على مدار الساعة.
واقع استيطاني وأمني دائم..
وينطوي القضم الصامت للمساحات الجغرافية تحت مسمى "الخط البرتقالي" على أبعاد أمنية وديموغرافية شديدة الخطورة، حيث يسعى الاحتلال من خلال هذا التمدد التدريجي إلى فرض مفهوم "الأمن الدفاعي الهجومي" عبر السيطرة على المرتفعات والمحاور الرئيسية، مما يتيح لقواته الإشراف الناري المباشر على ما تبقى من الحيز العمراني الفلسطيني، وتحويل أي تحرك مدني أو إنساني إلى هدف عسكري مشروع تحت ذريعة حماية مناطق الاختراق.
ومن الناحية الديموغرافية والاقتصادية، فإن التهام أكثر من ثلثي مساحة قطاع غزة وتحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة أو أحزمة أمنية، يعزل آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية الخصبة والمناطق الحيوية، ويحرم القطاع من مقومات بقائه الاقتصادي والغذائي، ما يعني دفع مئات الآلاف من النازحين والمواطنين للاكتظاظ في شريط ساحلي ضيق ومتهالك ببلدية دير البلح وأجزاء من خان يونس والمنطقة الوسطى، مما يفاقم من الكارثة الإنسانية والبيئية غير المسبوقة.
إن هذا التغيير الممنهج في معالم الجغرافيا العسكرية لقطاع غزة، وتجاوز الحدود التقليدية المقرة دولياً، يكشف عن نية الاحتلال تحويل التدخل العسكري المؤقت إلى واقع استيطاني وأمني دائم. ويتحقق ذلك عبر إنشاء قواعد إسناد وتوجيه للمسيرات والانقضاضيات، ونشر منظومات رصد متطورة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مما يجعل من فكرة إعادة الإعمار أو عودة الحياة الطبيعية إلى المناطق القريبة من هذه الخطوط أمراً مستحيلاً دون تفكيك هذه المنظومة الاستعمارية.
جريمة تطهير عرقي..
وفي قراءة قانونية وحقوقية لهذا الواقع، يرى رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، الأستاذ صلاح عبد العاطي، أن ما يجري على الأرض عبر ما يسمى بـ"الخط البرتقالي" أو "الأصفر" هو تطبيق عملي لجريمة التطهير العرقي وفرض التغيير الديموغرافي بالقوة المسلحة، مشيراً إلى أن قضم مساحات واسعة من القطاع وتحويلها إلى مناطق عسكرية عازلة يمثل انتهاكاً صارخاً وصريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر بشكل قاطع إحداث تغييرات جذرية في الأراضي المحتلة أو تدمير الممتلكات العامة والخاصة إلا للضرورات الحربية القصوى والتي لا تنطبق على حالة التوسع الاستيطاني والأمني الحالية.
ويؤكد عبد العاطي في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن اقتراب هذه الخطوط العسكرية من طريق صلاح الدين الحيوي ورفع نسبة السيطرة الصهيونية لتلامس 64% من مساحة غزة، يعني تحويل القطاع رسمياً إلى "معسكر اعتقال جماعي كبير" تسيطر فيه قوات الاحتلال على أدق تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك حركة الأفراد والمساعدات الإنسانية والطبية بين المحافظات. ويوضح أن هذا السلوك الممنهج يندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي التي تهدف إلى جعل قطاع غزة بيئة غير قابلة للحياة الآدمية، ودفع السكان قسراً نحو الهجرة أو القبول بواقع الاستسلام تحت وطأة الجوع والحصار العسكري اللصيق.
ويضيف رئيس هيئة (حشد) أن صمت المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية أمام صور الأقمار الصناعية والتقارير الدولية التي توثق هذا الزحف الخرساني الصامت، يمنح الاحتلال الضوء الأخضر لمواصلة قضم الأراضي وفرض شروطه الميدانية كأمر واقع في أي مفاوضات سياسية مستعصية. ويلفت إلى أن خطورة هذه الخطوط العازلة تكمن في كونها تمنع إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، وتشرعن السيطرة الاستعمارية طويلة الأمد، مما يتطلب تحركاً فورياً من المحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن لوقف التغيير الجغرافي القسري في قطاع غزة وتفكيك القواعد العسكرية المستحدثة.
ويختم عبد العاطي رؤيته الحقوقية بالإشارة إلى أن الهيئة الدولية توثق كافة هذه التعديات الجغرافية والمتغيرات الميدانية عبر تقارير فنية وقانونية مشفوعة بالخرائط والشهادات، لتقديمها كملفات إدانة إضافية لمحكمة العدل الدولية والمحافل القضائية العالمية. ويشدد على أن مواجهة "الخط البرتقالي" ومخططات الخنق العسكري تتطلب صياغة استراتيجية وطنية موحدة ترتكز على تدويل القضية، وملاحقة قادة الاحتلال بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتثبيت حق الشعب الفلسطيني في السيطرة الكاملة على أرضه ومقدراته الوطنية دون أي تدخل صهيوني.
