أفادت مصادر صحفية دولية بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي وسع بشكل ملحوظ نطاق سيطرته الميدانية داخل قطاع غزة خلال الأشهر الأخيرة. وتأتي هذه التحركات عبر تعزيز التحصينات العسكرية وتحريك خطوط الفصل مع مناطق تواجد المقاومة الفلسطينية، مما يعكس توجهاً لفرض واقع أمني جديد.
وأوضحت التقارير أن المساحة التي يسيطر عليها الاحتلال باتت تقترب من 60% من إجمالي مساحة القطاع، حيث ارتفعت من 53% منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وتثير هذه التطورات مخاوف جدية من تحول مناطق الفصل العسكرية إلى حدود دائمة تزيد من تعقيد أي تسوية سياسية مستقبلاً.
وقد دفع جيش الاحتلال بما يعرف بـ 'الخط الأصفر'، وهو الخط الذي يحدد مناطق الفصل، إلى عمق أكبر داخل أراضي القطاع. وفي بعض المناطق، تقاطع هذا الخط مع طريق صلاح الدين، الذي يعد الشريان الرئيسي الرابط بين شمال القطاع وجنوبه، مما يعيق حركة التنقل بشكل أكبر.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية إنشاء تحصينات عسكرية واسعة النطاق في المنطقة الوسطى من قطاع غزة، شملت خنادق عميقة وسواتر ترابية مرتفعة. كما تم رصد إقامة ما لا يقل عن سبعة مواقع عسكرية جديدة محصنة بشكل كامل لمواجهة أي تهديدات ميدانية.
وتشير المعطيات إلى أن بعض هذه المواقع العسكرية تم تعبيدها بالإسفلت وتضم أكثر من اثني عشر مبنى ثابتاً، وهو ما يعد مؤشراً على استعداد الاحتلال لوجود طويل الأمد. هذه البنية التحتية تعكس استراتيجية تثبيت المواقع بدلاً من الوجود المؤقت الذي كان معلناً في السابق.
وفي ظل تعثر جهود التسوية السياسية، يرى مراقبون أن هذه التحصينات تعمق الانقسام الجغرافي داخل غزة. ويأتي ذلك في وقت تصر فيه سلطات الاحتلال على مواصلة العمليات العسكرية ورفض الانسحاب الكامل من المناطق التي توغلت فيها.
وأكدت مصادر ميدانية أن عشرات الفلسطينيين استشهدوا قرب 'الخط الأصفر' منذ بدء سريان وقف إطلاق النار الأخير. ويدعي جيش الاحتلال استهداف من يصفهم بـ 'المشبوهين'، بينما يؤكد الأهالي أن الضحايا مدنيون ضلوا طريقهم بسبب عدم وضوح خطوط الفصل الجديدة.
كلما عززنا استقرار الوضع الراهن، كلما أصبح تغييره أكثر صعوبة، وهناك مخاوف حقيقية من تقسيم قطاع غزة بشكل دائم.
ونقلت المصادر عن دبلوماسيين أن عدداً من الحكومات العربية ترفض المساهمة في تمويل إعادة إعمار قطاع غزة في ظل الوضع الراهن. ويشترط هؤلاء الممولون وضوح الرؤية السياسية والأمنية قبل البدء في أي عمليات بناء واسعة النطاق وسط الدمار المستمر.
وحذر الدبلوماسي نيكولاي ملادينوف من أن ترسيخ الوضع الحالي سيجعل من الصعب جداً تغييره في المستقبل القريب. وأشار إلى أن الاستمرار في بناء المنشآت العسكرية الدائمة يكرس واقع تقسيم القطاع ويقوض فرص إقامة إدارة فلسطينية موحدة.
وفي سياق متصل، يواصل جيش الاحتلال عمليات الحفر والبحث عن أنفاق المقاومة التي قد تربط بين مناطق السيطرة المختلفة. وقد أعلن الجيش عن تدمير عشرات الكيلومترات من الشبكات الأرضية منذ توقف العمليات القتالية الكبرى في تشرين الأول الماضي.
ولزيادة التحكم الميداني، وضع الاحتلال حواجز خرسانية مطلية باللون الأصفر لتحديد تخوم المناطق العسكرية المغلقة. وجاءت هذه الخطوة بعد تكرار حوادث إطلاق النار على مدنيين اقتربوا من هذه الخطوط التي لم تكن معالمها واضحة في السابق.
كما استحدث الاحتلال ما يسمى بـ 'الخط البرتقالي'، وهو نطاق أمني إضافي يقع ضمن المناطق التي يُسمح للفلسطينيين بالتحرك فيها. ويفرض هذا الخط على المنظمات الإغاثية الدولية ضرورة التنسيق المسبق والمعقد مع الجيش قبل عبور أي شاحنات أو طواقم طبية.
من جانبه، اعتبر الباحث عوفر غوترمان أن إسرائيل تسعى لتعزيز وضعها الدفاعي استعداداً لاحتمال استئناف القتال في أي لحظة. وأضاف أن المؤسسة العسكرية تعمل على تحسين ظروفها الميدانية لضمان التفوق في حال انهيار التفاهمات الحالية.
وختاماً، يشير الواقع الميداني إلى أن قطاع غزة يتجه نحو حالة من 'الستاتيكو' العسكري الذي يخدم أهداف الاحتلال في السيطرة والتحكم. ومع استمرار بناء التحصينات، تظل فرص العودة إلى ما قبل الحرب ضئيلة في ظل التعقيدات الأمنية والسياسية المتزايدة.
