26.12°القدس
25.88°رام الله
24.97°الخليل
29.56°غزة
26.12° القدس
رام الله25.88°
الخليل24.97°
غزة29.56°
الأربعاء 01 يوليو 2026
3.95جنيه إسترليني
4.2دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.4يورو
2.98دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.95
دينار أردني4.2
جنيه مصري0.06
يورو3.4
دولار أمريكي2.98
اسماعيل الريماوي

اسماعيل الريماوي

منظمة التحرير بين الغياب والاختطاف

كثيرا ما تتحدث الابواق عن منظمة التحرير وشرعية منظمة التحرير ومن تمثل ، وكان القضية الفلسطينية وفلسطين تحتكر فقط في منظمة التحرير، لكن السؤال الحقيقي يقول : أين ذهبت منظمة التحرير الفلسطينية التي قيل إنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؟

فالمنظمة التي وُلدت لتكون إطارًا وطنيًا جامعًا لكل الفلسطينيين، في الداخل والشتات، تحولت تدريجيًا إلى مؤسسة تكاد تغيب عن المشهد، بينما أصبحت السلطة الفلسطينية هي صاحبة القرار السياسي والإداري والمالي، وبات من الصعب على المواطن الفلسطيني أن يميز بين مؤسسات السلطة ومؤسسات المنظمة، حتى بدا وكأن الأخيرة قد ذابت داخل الأولى، رغم أن السلطة أُنشئت أصلًا من رحم منظمة التحرير كجسم إداري مؤقت، ويفترض أن تبقى المنظمة هي المرجعية الوطنية العليا لها.

ويطرح هذا الواقع أسئلة جوهرية: هل أصبحت منظمة التحرير مختطفة لصالح السلطة؟ وهل ما زالت مؤسساتها تعمل باستقلالية، أم أنها تتحرك فقط عندما تحتاج السلطة إلى غطاء سياسي أو قانوني لقرار اتخذته مسبقًا؟

أين المجلس الوطني الفلسطيني الذي يفترض أنه البرلمان الأعلى للشعب الفلسطيني؟ فمنذ عقود لم يُنتخب انتخابًا شاملًا يعكس الإرادة الفلسطينية، وغالبية أعضائه ينتمون إلى أجيال مضت، بينما نشأت أجيال كاملة لم تشارك يومًا في اختيار ممثليها، وأين المجلس المركزي الذي تحول، في نظر كثيرين، إلى هيئة لفصيل واحد تجتمع عند الحاجة للمصادقة على قرارات جاهزة أكثر من كونه مؤسسة ترسم السياسات الوطنية؟

وفي المقابل، بقي المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب شرعيا معطلًا منذ سنوات، ما أدى إلى غياب الرقابة والمحاسبة، وتركيز السلطات في يد القيادة التنفيذية، الأمر الذي عمق أزمة الشرعية السياسية والدستورية.

كما يثار سؤال آخر يتعلق بفصائل منظمة التحرير نفسها، فما هو هامش استقلاليتها الحقيقي؟ وهل تستطيع معارضة قرارات القيادة دون أن تواجه ضغوطًا سياسية أو مالية؟ لقد تكررت خلال السنوات الماضية اتهامات بأن بعض الفصائل التي خالفت توجهات السلطة تعرضت لتقليص أو وقف مخصصاتها المالية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى استقلال القرار داخل المنظمة، وإن كانت المخصصات تُستخدم أداةً للتأثير في المواقف السياسية.

واللافت أن مؤسسات المنظمة تستعيد نشاطها غالبًا عندما يكون المطلوب إقرار قرارات تمنح السلطة غطاءً سياسيًا أو شرعية إضافية، ثم تعود إلى حالة الغياب الطويل، وهذا النمط يعزز الانطباع بأن المؤسسة الوطنية لم تعد صاحبة المبادرة، بل أصبحت تُستدعى عند الحاجة فقط.

أما السؤال الأكثر أهمية فهو: هل ما زالت منظمة التحرير تمثل بالفعل جميع الفلسطينيين؟

ففي الداخل الفلسطيني، توجد قوى رئيسية خارج إطار المنظمة ، إضافة إلى قوى وشخصيات وطنية مستقلة ، وفي الشتات، يعيش ملايين الفلسطينيين الذين لا يشعر كثير منهم بأن لهم دورًا حقيقيًا في اختيار مؤسسات المنظمة أو التأثير في قراراتها، رغم أن المنظمة أنشئت أساسًا لتمثيلهم قبل قيام السلطة الفلسطينية.

إن أزمة منظمة التحرير اليوم ليست أزمة اسم أو تاريخ، وإنما أزمة تمثيل وشرعية وتجديد، فلا يمكن لأي مؤسسة وطنية أن تبقى حية إذا توقفت عن تجديد نفسها، وابتعدت عن شعبها، وغابت عنها الانتخابات والتوافق الوطني.

ويبقى السؤال الذي لا يمكن تأجيله: هل المطلوب الإبقاء على المنظمة بصيغتها الحالية، أم إعادة بنائها على أسس ديمقراطية، عبر مجلس وطني منتخب حيثما أمكن، وتوافق وطني شامل حيث يتعذر الانتخاب، بما يضمن مشاركة جميع القوى الفلسطينية وممثلي الشتات، لتعود المنظمة بيتًا جامعًا لكل الفلسطينيين لا مؤسسةً لفصيل أو سلطة؟ فبدون ذلك، ستظل أزمة التمثيل الوطني مفتوحة، وسيبقى الفلسطينيون يتساءلون: أين منظمة التحرير، ولمن أصبحت تمثل؟

إن القضية الفلسطينية أكبر من سلطة، وأكبر من فصيل، وأكبر من أشخاص يتعاقبون على المواقع، ومنظمة التحرير ليست ملكًا لأحد حتى تُدار بمنطق الاحتكار، ولا يجوز أن تتحول إلى مؤسسة تُستدعى فقط لمنح الشرعية لقرارات اتُّخذت سلفًا، ثم تعود إلى سباتها، فإذا كانت المنظمة هي حقًا الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، فإن شرعيتها لا تُصان بالشعارات، بل بتجديد مؤسساتها، وإعادة بناء بيتها الداخلي، وفتح أبوابها أمام جميع مكونات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.

أما إذا بقيت مؤسساتها معطلة، ومجلسها الوطني شيخًا بلا تجديد، ومجلسها التشريعي غائبًا، وفصائلها مقيدة بالإرادة السياسية والمالية، فيما يُقصى ملايين الفلسطينيين في المنافي عن المشاركة في تقرير مصير مؤسستهم الوطنية، فإن السؤال لن يكون: أين منظمة التحرير؟ بل: هل بقي منها سوى الاسم؟ فالأوطان لا يحميها احتكار التمثيل او الاستفراد بالسلطة والقرار ، ولا تصنع وحدتها مؤسسات فاقدة للحيوية، وإنما يحميها شعبٌ يختار ممثليه بحرية، ومؤسسة وطنية تستمد قوتها من جميع الفلسطينيين، فالشعب هو صاحب الشرعية ، لا سلطة عابرة أو قيادة مؤقتة.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن