في خطوة تحمل في طياتها أبعاداً سياسية وأمنية متسارعة، بدأت المؤسسة الأمنية للاحتلال الإسرائيلي استعدادات ميدانية مكثفة لإعادة فتح "معبر إيرز" (بيت حانون) شمالي قطاع غزة، مخصصاً لحركة البضائع فقط. وجاءت هذه التحركات الميدانية التي كشفت عنها القناة 12 العبرية، لتسلط الضوء على حجم الضغوط الأمريكية الممارَسة على حكومة الاحتلال، حيث تجري التجهيزات بمشاركة جهات مرتبطة بما يُسمى "مجلس السلام"، مما يعكس رغبة واشنطن في فرض واقع جديد على الأرض يتجاوز في ظاهره البعد الإنساني إلى مسارات سياسية أعمق.
وتشهد المنطقة الجنوبية للاحتلال أعمال بنية تحتية متسارعة تقودها قيادة المنطقة الجنوبية وسلطة المعابر، حيث جرت المصادقة على ترتيبات معقدة تتعلق بمسارات دخول الشاحنات وخروجها، وتحديد مواقع انتشار القوات المكلفة بتأمينها.
ورغم المحاولات السياسية الإسرائيلية لإبداء التصلب، تبرز التناقضات الصارخة داخل كيان الاحتلال، إذ أعلنت نائبة سفير الاحتلال لدى الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن الدولي أن الأول من سبتمبر هو الموعد المستهدف للافتتاح، مما يؤكد أن الترتيبات تجري بقرار أمني مدفوع بالرغبة الأمريكية، بمعزل عن البروباغندا الإعلامية لبعض الوزراء.
ويرى مراقبون فلسطينيون أن التوقيت المحدد لفتح المعبر يتقاطع بشكل خطير مع الاستعدادات الجارية لتنفيذ "المرحلة الثانية" من الخطط الأمريكية الرامية لإعادة هندسة المشهد في قطاع غزة وتصفية القضية الفلسطينية، مؤكدين على أن حصر تشغيل المعبر في حركة البضائع دون الأفراد، يبرهن على أن الاحتلال والولايات المتحدة يسعيان إلى تفكيك الأزمة الإنسانية المتفاقمة جزئياً لتخفيف الضغط الدولي، وفي ذات الوقت إحكام السيطرة الأمنية وتكريس الفصل الجغرافي والسياسي بين مناطق القطاع لخدمة أهداف الاستيطان والمنطقة العازلة.
أمام هذا المشهد المعقد، تضع وكالة "فلسطين الآن" هذه التطورات على طاولة التحليل السياسي والعسكري، لقراءة ما وراء الأكمة في القرار الإسرائيلي المدفوع أمريكياً، ومآلات هذه الخطوة على مستقبل السيطرة الميدانية في شمال القطاع، عبر قراءة مستفيضة لآراء المحللين والخبراء في الشأن الصهيوني والإقليمي.
تكتيكات جديدة للسيطرة على غزة..
واعتبر المحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي أيمن محد، أن مسارعة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لتجهيز البنية التحتية لمعبر إيرز تحت وطأة الضغوط الأمريكية، يعكس بوضوح رغبة واشنطن في الانتقال إلى تكتيكات جديدة للسيطرة على قطاع غزة، مؤكداً أن الولايات المتحدة تدرك أن استمرار الإبادة الجماعية والحصار المطلق بات يشكل عبئاً أخلاقياً وسياسياً ثقيلاً عليها على الساحة الدولية، ولذلك تتحرك لفرض "تهدئة إنسانية مُسيطر عليها" عبر بوابات تجارية تخدم رؤيتها السياسية بعيدة المدى، وتحديداً التمهيد لخطط تصفوية مستقبلية تهدف إلى خلق بدائل لادارة القطاع وتمرير مشاريع مشبوهة.
وأضاف محمد في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن "التناقض الظاهري بين نفي رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كاتس من جهة، وإعلان نائبة السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة عن موعد الأول من سبتمبر من جهة أخرى، ليس سوى تبادل أدوار مفضوح".
وتابع:" نتنياهو يحاول الحفاظ على تماسك ائتلافه اليميني المتطرف عبر إظهار الرفض، بينما تنفذ المنظومة الأمنية الإسرائيلية الإملاءات الأمريكية على الأرض لأنها تدرك حدود القدرة على مناورة الإدارة الأمريكية، خاصة في ظل الاعتماد المطلق على الدعم العسكري والدبلوماسي الواشنطني".
وأكمل حديثه: "من الخطورة بمكان الانتباه إلى أن حصر فتح المعبر للبضائع فقط وإقصاء حركة الأفراد، يؤكد أن الهدف ليس إغاثياً بحتاً، بل هو محاولة لشرعنة السيطرة الأمنية وفصل شمال القطاع عن وسطه وجنوبه بشكل كامل. هذا الإجراء يسعى إلى تحويل المساعدات والبضائع إلى أداة ابتزاز سياسي وأمني بيد الاحتلال، حيث سيتحكم بلقمة عيش المواطنين في الشمال لفرض شروط ميدانية جديدة، تتماشى مع مخططات "مجلس السلام" والجهات الأمريكية التي تبحث عن صيغة لإدارة القطاع لا تشمل قوى المقاومة الفلسطينية".
وختم حديثه: "إن الموقف الفلسطيني يجب أن يتعامل مع هذه الخطوة بيقظة وحذر شديدين، فلا يمكن قبول المقايضة بين الحقوق السياسية والمساعدات الإنسانية. إن فتح المعابر يجب أن يكون شاملاً وغير مشروط لإنهاء الحصار كاملاً وليس لإعادة إنتاجه وتدويره وفقاً للمصالح الأمريكية والإسرائيلية، والمطلوب اليوم هو ضغط وطني وشعبي لإفشال محاولات الاحتلال تحويل المساعدات الإنسانية إلى سلاح لتقسيم القطاع وتمرير مخططات التهجير الناعم".
نقطة مراقبة وسيطرة أمنية..
بدوره أكد الكاتب حسن سلمان، أن التحركات الميدانية لقيادة المنطقة الجنوبية وسلطة المعابر في جيش الاحتلال لإعادة تشغيل معبر إيرز، تأتي ضمن رؤية أمنية وعسكرية، مشيراً إلى أن جيش الاحتلال يعاني من استنزاف مستمر، وفتح مسار لدخول الشاحنات قد يهدف عسكرياً إلى تقليل الضغط اللوجستي والدولي، وإيجاد ممرات حركة جديدة للقوات تحت غطاء حماية قوافل البضائع، وهو أسلوب تكتيكي اعتدنا عليه في إدارة المناطق العازلة.
وأضاف في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن المصادقة على مسارات محددة لانتشار القوات المكلفة بتأمين الشاحنات تشير إلى أن الاحتلال يتخوف بشكل كبير من وقوع هذه القوافل تحت الاستهداف أو خروجها عن السيطرة الأمنية.
وتابع: "هذا الانتشار يكرس السيطرة العسكرية المباشرة للاحتلال على نقاط التدفق الإنساني والتجاري، وتحويل محيط معبر إيرز إلى ثكنة عسكرية محصنة تخدم الأهداف الدفاعية والهجومية للجيش، مما يعني أن المعبر لن يكون بوابة تجارية اعتيادية بل نقطة مراقبة وسيطرة أمنية متقدمة".
وأكمل حديثه: "أما مشاركة جهات مرتبطة بما يسمى "مجلس السلام" في التخطيط، فهو محاولة واضحة لخصخصة الإدارة الأمنية للمعابر وإعطائها غطاءً دولياً أو إقليمياً يتساوق مع الطروحات الأمريكية لـ"اليوم التالي" للحرب. الاحتلال يسعى للتنصل من مسؤولياته القانونية كقوة احتلال أمام المجتمع الدولي عبر إشراك هذه الجهات، وفي نفس الوقت يضمن الاحتفاظ بالقرار الأمني الفعلي والقدرة على إغلاق المعبر وفتحه كأداة عقاب جماعي وقتما يشاء ووفقاً لتقديراته العسكرية".
وختم حديثه: " يمكن القول إن الاستعدادات الجارية لفتح معبر إيرز في الأول من سبتمبر لا تعكس تراجعاً في العدوانية الإسرائيلية، بل هي إعادة تموضع تكتيكي فرضته الظروف الميدانية والضغوط الخارجية، المقاومة الفلسطينية تدرك هذه الأبعاد جيداً، ولن تسمح للاحتلال بإنشاء منظومة أمنية جديدة تحت لافتة إدخال البضائع، مما يجعل الميدان مرشحاً لمزيد من التصعيد إذا ما حاول الاحتلال استخدام هذه البوابة لفرض واقع أمني يمس بحقوق الشعب الفلسطيني وثوابته".
