27.23°القدس
26.99°رام الله
25.56°الخليل
30.27°غزة
27.23° القدس
رام الله26.99°
الخليل25.56°
غزة30.27°
الجمعة 04 سبتمبر 2026
4.07جنيه إسترليني
4.25دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.5يورو
3.01دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.07
دينار أردني4.25
جنيه مصري0.06
يورو3.5
دولار أمريكي3.01

تقارير "فلسطين الآن"..

ماذا بقي في جيوب الغزيين..؟ الحرب تعيد تعريف المال في غزة

الأوراق المهترئة
الأوراق المهترئة
خاص - فلسطين الآن

لم يعد السؤال في قطاع غزة: كم تملك من المال؟ بل ماذا تستطيع أن تفعل به؟ فالحرب التي استنزفت مدخرات السكان، ودمّرت مصادر دخلهم، وأخرجت آلاف الموظفين والعمال من سوق العمل، لم تترك المال بمنأى عن تداعياتها، حتى بات امتلاك النقود لا يعني بالضرورة القدرة على شراء الاحتياجات.

ففي الأسواق، يحمل بعض المواطنين أوراقًا نقدية مهترئة يرفض التجار التعامل بها، بينما يملك آخرون أرصدة مالية داخل حساباتهم المصرفية، لكنهم يعجزون عن تحويلها إلى نقود بين أيديهم إلا مقابل عمولات مرتفعة.

وبين النقد الورقي المفقود، والدفع الإلكتروني المحدود، والأسعار التي لا تتوقف عن الارتفاع، تغيرت علاقة الغزيين بالمال، وأصبح الحصول على السيولة أزمة يومية لا تقل قسوة عن تأمين الغذاء والمأوى.

وتشير دراسات حديثة إلى أن الحرب والحصار "المجاعة" وتضرر البنية المصرفية وتعطل قنوات إدخال النقد إلى القطاع أدت إلى أزمة سيولة غير مسبوقة، رافقها ارتفاع كلفة الحصول على الأموال النقدية وتوسع السوق غير الرسمية.

      أموال موجودة.. لكنها ليست في المتناول

يجلس المواطن أبو عوض بين زقاق المخيم الذي يقطن به أمام هاتفه المحمول، يتفقد رصيده المالي داخل حسابه البنكي، لكن الأرقام التي تظهر على الشاشة لا تعني بالنسبة إليه الكثير.  

يقول في حديثه لـ"فلسطين الآن"، "لدي أموال في الحساب، لكن المشكلة ليست في وجود المال المشكلة في كيفية الحصول عليه. عندما أحتاج إلى مبلغ نقدي أضطر للبحث عن شخص يوفر السيولة، وأدفع جزءًا من أموالي مقابل أن أحصل على أموالي".

هذه المفارقة أصبحت واحدة من أبرز صور الأزمة الاقتصادية في غزة سابقا؛ مواطنون يمتلكون المال نظريًا، لكنهم لا يستطيعون استخدامه بحرية.

ومع تضرر البنوك وأجهزة الصراف الآلي، وانخفاض حجم النقد المتداول، تحولت السيولة النقدية نفسها إلى سلعة نادرة، وأصبح الحصول على مبلغ من النقود يحتاج في كثير من الأحيان إلى دفع عمولات إضافية، الأمر الذي يعني خسارة جزء من المال قبل إنفاقه.

فالأوراق النقدية انتقلت بين آلاف الأيدي، تعرضت للمياه والرطوبة والتمزق، ولم تجد طريقها إلى الاستبدال بسبب توقف الدورة النقدية ومنع إدخال عملات جديدة بكميات كافية.

ففي أحد الأسواق، يقف أبو عوض أمام بائع، يمد إليه ورقة نقدية، فيتفحصها الأخير بعناية قبل أن يرفضها بسبب تمزق بسيط فيها.

"أحيانًا أملك المال في جيبي، لكن التاجر لا يقبل الورقة. أذهب إلى محل آخر فيرفضها أيضًا، فأصبح مضطرًا للبحث عن شخص يقبلها أو استبدالها بخسارة".

وباتت بعض الفئات النقدية نادرة أو شبه غائبة عن التداول، فيما يواجه السكان أزمة في توفير "الفكة"، الأمر الذي يعرقل عمليات البيع والشراء البسيطة والمواصلات اليومية.

وتفيد تقارير محلية بأن الأوراق المهترئة أصبحت تُرفض في الأسواق رغم حاجة السكان إليها، بينما ظهرت محاولات فردية لإصلاح وترميم العملات القديمة لإبقائها قابلة للتداول.

            الراتب لا يعني القدرة على العيش

قبل الحرب، كان الراتب الشهري يمثل مصدرًا للاستقرار النسبي لعشرات آلاف الأسر، لكن الواقع الاقتصادي الجديد غيّر هذه المعادلة.

فالموظف الذي يتلقى راتبه إلكترونيًا يواجه سلسلة من العقبات قبل أن يصل المال إلى يده، بدءًا من صعوبة السحب النقدي، مرورًا بالعمولات، وانتهاءً بارتفاع أسعار السلع.

يتحدث ربُ أسرة يعيل 9 من الأبناء أنه "في السابق كان يحسب راتبه على أساس أنه يكفي حتى نهاية الشهر، اليوم أحسب كم سيصل منه إلى يدي بعد العمولة، وماذا يمكن أن أشتري به".

ولا تتوقف الأزمة عند الوصول إلى المال، إذ إن القوة الشرائية نفسها تراجعت بصورة كبيرة. فالمبلغ الذي كان يكفي الأسرة لأيام أو أسابيع أصبح ينفد سريعًا أمام ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع الدخل وغياب فرص العمل.

وتشير دراسة صادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى أن اقتصاد الحرب أسهم في تآكل القوة الشرائية واستنزاف مدخرات الأسر، وسط تشوهات في آليات التسعير والاحتكار والفجوة بين أسعار الدفع النقدي والإلكتروني.

                بين النقد والدفع الإلكتروني

مع ندرة السيولة، اتجه كثير من المواطنين إلى استخدام التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية في عمليات الشراء.

لكن هذا الحل لم يكن متاحًا للجميع، فبعض التجار لا يقبلون الدفع الإلكتروني، وآخرون يفرضون أسعارًا مختلفة على السلع بحسب طريقة الدفع.

"أحيانًا يكون معي المال في التطبيق، لكن التاجر يطلب النقد، وإذا قبل التحويل الإلكتروني يضيف مبلغًا إضافيًا على السعر."
وهكذا نشأت مفارقة جديدة في الأسواق؛ السلعة الواحدة قد يكون لها أكثر من سعر، سعر لمن يدفع نقدًا، وسعر أعلى لمن يدفع إلكترونيًا.

ويرى مختصون أن هذا الواقع خلق تشوهات غير مسبوقة في السوق، وأدى إلى زيادة الأعباء على المستهلكين، خاصة مع اعتماد جزء كبير من السكان على المساعدات والتحويلات المالية.

وتشير أبحاث اقتصادية إلى أن الفجوة بين الدفع النقدي والإلكتروني أصبحت إحدى أبرز مظاهر اقتصاد الحرب، حيث تحمل المواطنون تكاليف إضافية للحصول على السيولة أو إتمام معاملاتهم اليومية.

                   مدخرات سنوات تذوب

لم تكن الحرب بحاجة إلى سرقة الأموال من جيوب الغزيين مباشرة، فقد فعل التضخم وارتفاع الأسعار والبطالة ذلك بصورة تدريجية.

أسر كثيرة أنفقت مدخراتها التي جمعتها على مدار سنوات، وأخرى اضطرت إلى بيع الذهب والمقتنيات الشخصية لتوفير الغذاء أو دفع تكاليف النزوح والعلاج.

تقول أم لأربعة أطفال، "كل ما جمعناه في سنوات انتهى خلال الحرب. بعنا الذهب، وأنفقنا المدخرات، واليوم نفكر فقط في كيفية تأمين احتياجات اليوم".

بالنسبة لكثير من سكان القطاع، لم يعد المال وسيلة للادخار أو التخطيط للمستقبل، بل أصبح وسيلة مؤقتة للنجاة من يوم إلى آخر.

ومع استمرار تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع البطالة، أصبحت الأسر تعتمد على ما يصل إليها من مساعدات أو حوالات من الأقارب في الخارج، في وقت تواجه فيه صعوبات إضافية في تحويل تلك الأموال إلى سيولة قابلة للاستخدام.

                     العودة إلى المقايضة

ومع اشتداد أزمة النقد، بدأت بعض المناطق تشهد عودة تدريجية إلى واحدة من أقدم وسائل التبادل التجاري: المقايضة.
زيت مقابل طحين، ملابس مقابل مواد غذائية، أو سلعة مقابل أخرى يحتاج إليها الطرفان.

لم تعد هذه الممارسات مجرد حالات فردية، بل أصبحت في بعض مخيمات النزوح وسيلة للتغلب على غياب النقد.

فحين لا تتوفر النقود، وحين تصبح الأموال الإلكترونية محدودة الاستخدام، يعود الناس إلى تبادل ما يملكونه بما يحتاجون إليه.

وقد وثقت تقارير صحفية خلال عام 2026 عودة المقايضة في غزة نتيجة شح السيولة وتضرر البنية المصرفية، حيث يتبادل السكان سلعًا أساسية لتأمين احتياجاتهم اليومية.

              المال فقد وظيفته التقليدية

ويرى أحمد أبو قمر الخبير الاقتصادي أن أزمة السيولة في غزة تجاوزت مفهوم نقص النقود، لتتحول إلى أزمة في المنظومة المالية والاقتصادية بأكملها.

ويقول في حديثه لـ" فلسطين الآن"، "الاقتصاد في غزة تعرض خلال الحرب إلى صدمة مركبة، فلم يعد المواطن يعاني فقط من انخفاض الدخل، بل من صعوبة الوصول إلى الأموال الموجودة أصلًا. تضرر البنوك، وتعطل أجهزة الصراف، ومنع إدخال النقد، وتراجع النشاط الاقتصادي، كلها عوامل أدت إلى اختلال الدورة النقدية".

ويضيف " أن المشكلة الأخطر هي تآكل القوة الشرائية. المواطن قد يمتلك ألف شيكل، لكنه لا يستطيع الحصول عليها نقدًا بسهولة، وإذا حصل عليها فقد يدفع عمولة، ثم يكتشف أن أسعار السلع ارتفعت بصورة تجعل القيمة الفعلية للمبلغ أقل بكثير".

ويشير إلى أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى مزيد من توسع الاقتصاد غير الرسمي، وزيادة الاعتماد على الوسطاء، وارتفاع كلفة التعاملات المالية، ما لم يتم إعادة تأهيل البنية المصرفية وإعادة ضخ السيولة وتنظيم عمليات الدفع الإلكتروني.

وتؤكد دراسات حديثة أن معالجة الأزمة تتطلب إعادة تفعيل تدفق النقد عبر القنوات المصرفية الرسمية، وإعادة تأهيل البنية المالية المتضررة، وتطوير أنظمة الدفع الإلكتروني تحت مظلة النظام المالي الفلسطيني.

وبين مواطن يبحث عن ورقة نقدية صالحة، وآخر يدفع عمولة للحصول على أمواله، وثالث أنفق آخر مدخراته، تتشكل صورة جديدة لاقتصاد الحرب في غزة.

فالحرب لم تعِد تعرف البيوت والحياة والعمل فقط، بل أعادت تعريف المال نفسه؛ من وسيلة للعيش والادخار، إلى معركة يومية أخرى يخوضها الفلسطيني في غزة من أجل البقاء فبين أوراق نقدية أنهكتها سنوات الحرب، وأرصدة مالية يصعب الوصول إليها، ومدخرات ذابت أمام متطلبات الحياة اليومية، لم يعد المال في غزة يحمل معناه التقليدي.

فهنا قد يمتلك الإنسان المال، لكنه لا يستطيع سحبه، وقد يحمل النقود في جيبه، لكنها لا تكفي لشراء احتياجاته، وقد يعمل سنوات طويلة لجمع مدخراته، قبل أن تبتلعها الحرب في أشهر قليلة.

المصدر: فلسطين الآن