تحت سماءٍ لا تكف عن إمطار الموت، وفي زاويةٍ ضيقة من مخيم جباليا الذي استعصى على الانكسار، لم يكن مؤمن أبو زعيتر يطارد أماناً مفقوداً فحسب، بل كان يطارد "حرفاً" شتته القصف، و"فكرةً" كادت أن تئدها العتمة. في غزة، حيث تصبح النجاة بحد ذاتها إنجازاً، قرر مؤمن أن يرفع سقف التحدي إلى حدود السماء؛ فلم يكتفِ بالبقاء حياً، بل أراد أن يكون "قائداً" أكاديمياً فوق الركام.
وبينما كانت طائرات الاحتلال ترسم أحزمة النار حول منزله، وكان العالم من حوله يغرق في انقطاعٍ تام للكهرباء والإنترنت، كان هذا الشاب العشريني يخوض حرباً من نوع آخر. لم تكن أدواته مدافع أو صواريخ، بل كانت "هاتفاً محمولاً" يقتنص به شذرات من إشارة الإنترنت الضعيفة، و"إرادةً" صلبة ترفض أن تتحول أطروحته في "القيادة والإدارة" إلى مجرد ورقٍ محروق. عامان من النزوح، والخوف، والجوع، لم تكن كافية لثنيه عن حلم بدأه كأصغر باحث في تخصصه بجامعة الأقصى، ليتحول اليوم من طالبٍ يبحث عن العلم، إلى معلمٍ يلقن العالم درساً في "فلسفة الصمود".
لم تكن مناقشة أطروحة الباحث مؤمن أبو زعيتر مجرد "بروتوكول أكاديمي"، بل كانت عملية "كوماندوز" تعليمية في قلب مخيم جباليا؛ حيث الموت يتربص خلف كل زاوية. في الوقت الذي كانت فيه طائرات الاحتلال ترسم أحزمة النار في سماء غزة، كان مؤمن يخطّ بحبر الإصرار الفصل الأخير من رحلته العلمية، محققاً ما يشبه المستحيل: "درجة الماجستير بتقدير ممتاز" وسط عدوانٍ لم يترك حجراً على حجر.
مؤمن، ابن الـ25 ربيعاً، الذي دخل جامعة الأقصى كأصغر باحث في تخصصه (القيادة والإدارة)، وجد نفسه فجأة أمام أكبر اختبار عملي للقيادة: "كيف تدير مستقبلك وسط الركام؟". على مدار عامين من القتل والنزوح الممنهج، واجه مؤمن "عدوّين"؛ نيران الاحتلال، وحصار التكنولوجيا. فبينما كان العالم يبحث عن مراجع في المكتبات، كان مؤمن يطارد "إشارة إنترنت" شحيحة فوق أنقاض منزله، ويصارع العتمة ليكتب مسوداته على ضوء هاتفه المحمول الذي يشاركه الأكسجين والكهرباء.
لم يكن الطريق نحو "الامتياز" مفروشاً بالورود، بل كان معبداً بأزيز القذائف ورائحة الموت. تنقّل مؤمن بين مراكز النزوح، يحمل في حقيبته أوراقه وحلمه، يخشى عليها من شظية طائشة أكثر من خشيته على روحه. واليوم، يرفع أبو زعيتر "شهادته" كدرعٍ في وجه الاحتلال، معلناً انتصار الإرادة الفلسطينية التي لا تعرف الهزيمة.
وبكلماتٍ تقطر فخراً وألماً، صدح مؤمن عبر منصات التواصل الاجتماعي برسالة الوفاء: "أهدي نجاحي لشهداء غزة وجباليا الذين تركوا لنا وصية إكمال الطريق.. إلى غزة التي تنحني الجبال أمام صبرها"
لقد نال مؤمن درجة الماجستير في "القيادة"، لكنه في الحقيقة أعطى العالم درساً في "السيادة"؛ السيادة على الألم، والسيادة على الظروف، والسيادة على الموت من أجل البقاء.
قصة مؤمن ليست مجرد إنجاز شخصي، بل هي صرخة أكاديمية من قلب الحصار، تؤكد أن طلاب غزة يكتبون أطروحاتهم بالدم والدموع، لينالوا في النهاية "مرتبة الشرف" في الصمود قبل العلم.
