9.45°القدس
9.21°رام الله
8.3°الخليل
13.25°غزة
9.45° القدس
رام الله9.21°
الخليل8.3°
غزة13.25°
الثلاثاء 24 مارس 2026
4.18جنيه إسترليني
4.39دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.62يورو
3.12دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.18
دينار أردني4.39
جنيه مصري0.06
يورو3.62
دولار أمريكي3.12
نزار السهلي

نزار السهلي

من يفرمل رغبة النفوذ الإسرائيلي في المنطقة؟

أسئلة منطقية يمكن استنباطها من خلال وقائع المواجهة الدائرة الآن، بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية، وتتعلق بالقدرة العسكرية لإيران وبالتالي لذراعها اللبنانية "حزب الله"، وهي امتداد لأسئلة تكاثرت منذ اليوم التالي لاندلاع "طوفان الأقصى" في أكتوبر 2023، وتكثفت عن معنى انتظار العون المفترض لدعم وإسناد جبهة المقاومة الأساسية في فلسطين؛ أسئلة تنطلق من علم "المقاومة" في غزة بقدرات حليفها العسكرية والأمنية، والتي كانت موضع تفاخر وتباهٍ مستمر عن قدراتها وتهديداتها بالقدرة على لجم "الكيان الصهيوني"، والتي تجعل من الحليف مطمئنا لخوض المواجهة والتصدي للعدوان. وفي حالة غزة التي تعرضت لمحوٍ شامل ولجرائم إبادة جماعية غير مسبوقة، خاض المقاوم معركته لآخر طلقة، وهو ينتظر صواريخ وطائرات الصديق المساندة.

إذا نحّينا بعض الأسئلة جانبا، واستحضرنا أُمنية "لو" لم تتدخل إيران بشكل مباشر في سوريا منذ العام 2011، ولم يشارك حزبُ الله الأسدَ الهارب جرائمه، ماذا ستكون عليه الحال؟ هل ستكون بغير هذا الانهيار والاختراق الكبير الذي أصاب حلفاء إيران في المنطقة؟ بالتأكيد ما ترتب على كل هذا النقيض سيكون مغايرا، ولو تُرك مصير الديكتاتور السوري بيد شعبه منذ العام الأول لما كانت حال المنطقة بهذا السوء، ولما كان نزيف السردية "المقاومة" على جبهة إيران وسوريا بهذا التفسخ والانحلال. فحرب غزة كانت تتويجا لهذا التفسخ، فكانت المقاومة في ذروة قدرتها العسكرية، لكن صواريخ خيبر وشاهد وقدر وسجيل وغيرها من تسميات القذائف الإيرانية، قبعت في المخازن حتى أكملت إسرائيل معظم جرائم الإبادة والحرب وضد الإنسانية في غزة.

خسرت السردية الإيرانية في تبرير التقاعس والخذلان الكبير، لكن في ظهور القوة الحالية لـ"حليف" المقاومة الفلسطينية والمستضعفين والمظلومين، كما ظل يردد، وفي تصديه للعدوان الإسرائيلي الغادر، يتجدد السؤال: لماذا لم تستخدم القوة الإيرانية لإسناد حليف قبل وأثناء ذبحه من الوريد إلى الوريد؟ جاء الرد على السؤال ضمن الحسابات والتوقعات الإيرانية بقدرة الحلفاء على خوضهم لوحدهم معركة التصدي للعدوان، وهذا كشف عن عجز القوة المقابلة لحقيقة الإمكانيات التي كان يمكن أن تغير المعادلة ومسار الأحداث كلها في المنطقة منذ الأيام الأولى التي تلت السابع من أكتوبر 2023.

وهكذا يتضح لنا أن قضية إدراك واستيعاب ما حدث ويحدث الآن من عدوان يطال المنطقة كلها؛ ليست مجرد حسابات غير دقيقة وخاطئة بالمجمل فيما يتعلق بسردية الدعم والإسناد للمقاومة، وتسخير شعاراتها بعيدا عن اللحظة المطلوب منها التدخل المباشر، بل في مدى أهمية التحرر من توظيف تلك الحسابات والشعارات في دائرة المناورة المستمرة، والتي كان ثمنها باهظا على إيران نفسها أولا، وعلى حلفائها في المقاومة، وعلى الجانب العربي والإقليمي. فرغم ما فرضته ضرورة أخذ المبادرة في "الطوفان" -كمثال- دون جهات أخرى، ودون حليف يعلم أن سنده يمتلك ما يكفل له إرباك العدو وإجبار العالم على وقف العدوان، حتى لا تكون التداعيات خطيرة على المنطقة، فقد حدث عكس كل ذلك. فعندما كانت المقاومة تخوض معارك قوية وصلبة ومؤلمة للاحتلال، وهيأت ظرفا مناسبا لتلقي الدعم المفترض، أوصد باب الرجاء وكُسرت أمنية "لو".. لو تآخت صواريخ خيبر وقدر ومسيرات شاهد وفتاح أو شوهدت في غلاف غزة تتآخى مع صواريخ القسام، واشتعلت جبهة الشمال مع حزب الله بالطريقة ذاتها التي يخوض فيها اليوم معاركه في الجنوب؛ لما استفردت إسرائيل بغزة كما تستفرد بلبنان وعلى سكة الإبادة نفسها، ثم التفتت للمعقل واستهدفت الرؤوس الأولى والثانية للقيادات السياسة والعسكرية، ودمرت ما دمرته وتفاخرت بهذه الإنجازات كمقدمة لانتصار ساحق كما تتوهم.

إيران تصد العدوان وتتلقى ضربات مؤلمة، وتُحدث فارقا أيضا بطريقة الرد على عدوان إسرائيل رغم فارق القوة الهائلة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها استطاعت إحداث ندوب عميقة في الأمن الإسرائيلي. ومن خلال تطور طريقة الرد في النقب على عراد وديمونة، أو في تل أبيب وحيفا، سقطت الهالة الإسرائيلية الضخمة ودعايتها المسمومة عن تفوق الردع. وقد سبقت المقاومة في غزة بذلك الإنجاز، لكن تُركت وحيدة ومستباحة.

وليس من شك في أن ما يعنينا في الصراع الدائر على جبهة المواجهة الحالية بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة ثانية؛ ليس مجرد أمنية سحق عنجهية غطرسة القوة والعدوان، أو العودة للخلف لتمنيات سابقة لو أن إيران لم تفعل كذا وكذا في الملفات العربية، وحتى في طريقة الرد الحالي على العدوان الإسرائيلي، فتلك مرحلة يدفع ثمنها الفلسطيني والعربي باهظا من أمنه ومن حقوقه، وهو يتلقى الإرهاب والتوسع الإسرائيلي، بل فيما أصبحت عليه العلاقة الإيرانية العربية أو العلاقة بالقضية الفلسطينية، وقد كان يمكن لهذا الوضع أن لا يكون تماما كما هو عليه الآن من الصعوبة والتعقيد. وفي الحقيقة لا أحد في الشارع العربي أو في النظام العربي كان يرغب أن تكون دولة مثل إيران مستباحة من العدوان أو تتعرض للتدمير ولجرائم الحرب والإبادة، ولا أحد كان يتصور أن مجرد فرض الرغبة في رفض أمر واقع صهيوني على المنطقة ثمنه إزالة الآخر من الوجود حسب الفهم الإسرائيلي الأمريكي والتصور لمستقبل الفلسطينيين وأرضهم، ولمستقبل المنطقة العربية وطريقة السيطرة والنفوذ.

وفي الحقيقة، فإن وجود الفلسطينيين فوق أرضهم كمسألة طبيعية لم يعد كافيا لصد العدوان وتقليص جرائم التطهير العرقي والإبادة، فما زالت القوة العاجزة والضائعة عربيا وإقليميا لإنقاذ فلسطين والدفاع عنها وعن الأمن العربي أقوى من صواريخ فكت عرى أخوّتها وتاهت بوصلتها في الربيع العربي والسوري، وفي إسناد غزة وفي الرد الحالي على العدوان.. يرافق هذه الحقيقة عدم الاعتراف بوجود مخاطر حقيقية تستهدف العرب فرادى وجماعات، أنظمة اعتدال و"تشدد"، وكل ذلك يعني بالنسبة لمستخلصي دروس العدوان الحالي؛ ليس فقط موقفا من قضية الأمن العربي، بل كذلك موقفا رسميا وشعبيا من قضايا ذات طابع مصيري مثل فلسطين، وعن طبيعة القوة الذاتية والتحالفات التي على ضوئها يمكن التأسيس لعكس رغبة النفوذ لـ"إسرائيل الكبرى" ويفرملها.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن