بعد مرور أربع سنوات على اغتيال قوات الاحتلال الإسرائيلي الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة خلال تغطيتها اقتحام مخيم جنين شمال الضفة الغربية، لا تزال عائلتها تنشد العدالة، لكنها لا تشعر بتفاؤل كبير بسرعة تحقيقها.
"تلك العدالة تأخرت". هذا ما يتفق عليه أفراد أسرة أبو عاقلة، وذلك ليس لغياب إثبات هوية القاتل، ولا لغياب الحقائق، بل لعرقلة دول متنفذة مجرى التحقيقات.
النتيجة المباشرة لتأخر العدالة، كما يرى الصحافيون الفلسطينيون، تتمثّل في مزيد من عمليات القتل المتعمد؛ فبعد عشرين يوماً فقط من استشهاد أبو عاقلة، استشهدت الصحافية غفران وراسنة.
ومنذ حرب الإبادة (2023) وصلت أعداد القتلى من الصحافيين وفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى 262 شهيداً، واستمرت عمليات القتل والاغتيال للصحافيين حتى بعد إعلان اتفاق إنهاء الحرب.
تصاعدت الاستهدافات بعد إعدام أبو عاقلة، وكان الشهود على الجريمة مستهدفين، فمكان اغتيالها (الشارع الذي أطلق عليه اسمها)، والمكان الذي احتضن نصبها التذكاري، جرفته آليات الاحتلال عدة مرات، إلى أن دمّرت المكان كاملاً.
يقول شقيق الشهيدة شيرين، طوني أبو عاقلة، إن "العائلة تتابع عن كثب قضيتها، ولكنها تواجه تحديات جسيمة، ولا يتعلق الأمر بإثبات هوية القاتل فكل شيء واضح والأدلة متوفرة والحقائق موجودة، لكن لأن المسار في المحاكم الدولية لا يسير كما ينبغي".
يؤكد أبو عاقلة أن هناك تجاوزات من دول ذات نفوذ تعرقل مجرى التحقيقات وتحول دون تحقيق العدالة، وعند سؤاله عن تلك الجهات أجاب: "الأمر معروف، اللوبي الصهيوني قوي في العالم، وأي خطوة ضد الاحتلال تواجه عقبات هائلة". لكن رغم ذلك، ورغم ما وصفه بأنه يسبب حالة من الإحباط، فإن ذلك الإحباط لن يثني العائلة عن الاستمرار في المطالبة بالعدالة ومساءلة قتلة شيرين.
يؤكد أبو عاقلة أن تحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالية (إف بي آي) متوقفة تماماً، ولا ترد العائلة أي معلومات حول ما آلت إليه النتائج، وفي ملف المحكمة الجنائية الدولية الوضع مشابه، ويشرح أن نقابة الصحافيين الفلسطينيين وقناة الجزيرة قدمتا دعوى قضائية، وطلبتا محاكمة المسؤولين عن قتل شيرين، لكن العائلة لم تتلق معلومات حول الإجراءات المتخذة.
يقول طوني أبو عاقلة إن غياب العدالة هو ما شجع على استهداف وقتل المزيد من الصحافيين الفلسطينيين، معتبراً أن ما يحدث هو قتل ممنهج. يشدد أبو عاقلة على أن العائلة تشعر بالمسؤولية تجاه محاسبة قتلة شقيقته، ليكون ذلك رادعاً يحمي بقية الصحافيين، فمن غير المعقول، كما يرى، استهداف أكثر من 200 صحافي من دون أن يحرك العالم ساكناً، بل إن بعض الدول تتواطأ في التغطية على جرائم الاحتلال تلك.
رفيق شيرين
أما من رافقها وأصيب معها بالرصاص، الصحافي علي سمودي، فاستهدفه الاحتلال بالاعتقال، إدارياً من دون تهمة، وغيبه عاماً كاملاً في سجون الاحتلال ليخرج من السجن الشهر نهاية الشهر الماضي، وقد خسر كثيراً من وزنه.
يرى السمودي أن عملية اعتقاله هي استمرار لاستهداف الإعلام الفلسطيني، مذكراً بأن اغتيال شيرين أبو عاقلة ومحاولة اغتياله، والرصاصات التي استهدفتهما، كانت رسائل تهديد ووعيد من الاحتلال لكل إعلامي وصحافي فلسطيني.
ويؤكد السمودي أن الرصاص الذي أصاب شيرين أبو عاقلة أطلقه شخص خبير وقناص، وأنه كان مستهدفًا هو شخصياً في قلبه، لكن استدارته في تلك اللحظة أدت إلى تغيير مكان الإصابة: "ما حدث بعد ذلك، من اغتيال للصحافيين والملاحقة واعتقالي، هو استمرار للمخطط الإسرائيلي لإسكات وإخراس الصحافي وإعدام الشهود وكسر الأقلام والكاميرات، ومنع إيصال الصوت والصورة".
يتابع: "عام من الاعتقال الظالم التعسفي من دون تهمة بملف اعتقال إداري. كانت تلك رسالة تقول إن لم تمت ولم نرسلك إلى القبر، فسنرسلك إلى السجن".
وحول المكان الذي استشهدت فيه أبو عاقلة، يؤكد السمودي أنه جُرّف أكثر من مرة، واقتُلعت الشجرة التي استشهدت تحتها، والنصب التذكاري الذي أقيم لها هناك، قائلاً: "هذا يعيدنا إلى النقطة الأولى أنهم لا يريدون شهادات ولا شهوداً أو توثيقاً، يريدون محو الإنسان والذاكرة ومحو الزمان والمكان، حتى لا يبقى ما يفضح الجرائم، التي تصاعدت بسبب غياب المساءلة وغياب القانون الدولي".
غياب العدالة
بدوره، يرى مدير مؤسسة الحق، شعوان جبارين، أن غياب العدالة في قضية الشهيدة شيرين أبو عاقلة رغم كل ما حظيت به من إدانات دولية واهتمام عالمي استثنائي، مثّل تشجيعاً صريحاً للاحتلال: "المجرم حين يشعر بأنه محصن من المساءلة فهو يدمن على الجريمة، وهنا لا أتحدث عن أفراد، بل منظومة، وهذا ما تجلى بوضوح في عمليات القتل العمد الممنهجة التي استهدفت مئات الصحافيين، وصولاً إلى حرب الإبادة الجماعية التي بُثت على الهواء مباشرة".
يؤكد جبارين أنه رغم وجود كل الأدلة والتقارير الحقوقية والتحليل الصوتي للرصاص، وصولاً إلى تحليل نوع المقذوف، التي أثبتت كلها أن القتل كان عمداً، كانت هناك محاولات حثيثة لإخفاء الحقائق وتشويه الأدلة، معطياً مثالاً بالادعاء بتشوه المقذوف، مشيراً إلى أنه هذا "ادعاء فارغ".
يؤكد جبارين أن أبو عاقلة كانت تحمل إلى جانب فلسطينيتها، الجنسية الأميركية، مشيراً إلى وجود عمليات إعاقة للمساءلة داخل أروقة الولايات المتحدة والكونغرس، قائلاً: إن "الولايات المتحدة تقيم الدنيا ولا تقعد عندما يتعرض أي أميركي لمعاملة سيئة، لكن في حالة شيرين أبو عاقلة التي كانت واضحة، كان الأمر مختلفاً".
