29.45°القدس
29.21°رام الله
28.3°الخليل
29.66°غزة
29.45° القدس
رام الله29.21°
الخليل28.3°
غزة29.66°
السبت 11 يوليو 2026
4.03جنيه إسترليني
4.25دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.44يورو
3.01دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.03
دينار أردني4.25
جنيه مصري0.06
يورو3.44
دولار أمريكي3.01
اسماعيل الريماوي

اسماعيل الريماوي

من النكبة إلى غزة.. التاريخ لم يبدأ في السابع من أكتوبر

منذ السابع من أكتوبر 2023، سعت إسرائيل، مدعومة بحلفائها في الغرب، إلى تكريس رواية واحدة مفادها أن الصراع بدأ في ذلك اليوم، وأن كل ما جرى بعده ليس سوى "حق مشروع في الدفاع عن النفس"، وبفضل آلة إعلامية وسياسية هائلة، تحولت تلك الرواية إلى الخطاب السائد في كثير من العواصم، بينما غُيّب التاريخ، واختزلت القضية الفلسطينية في يوم واحد، وكأن الشعب الفلسطيني كان يعيش قبله في سلام واستقرار، ثم قرر فجأة إشعال الحرب، غير أن الوقائع، والتاريخ، وحتى التقارير الدولية، تكذب هذه الرواية وتؤكد أن السابع من أكتوبر لم يكن بداية المأساة، بل نتيجة لمسار طويل من الاحتلال والاستيطان والقتل والتهجير والقمع الذي بدأ مع نكبة عام 1948 ولم يتوقف حتى اليوم.

فالنكبة لم تكن حدثاً عابراً في التاريخ الفلسطيني، بل كانت بداية مشروع استعماري إحلالي قام على اقتلاع شعب كامل من أرضه، وتدمير مئات القرى والمدن، وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين وتحويلهم إلى لاجئين، ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف إسرائيل عن توسيع مشروعها الاستيطاني، سواء داخل الأراضي المحتلة عام 1948 أو بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية عام 1967، حيث تحولت مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات إلى سياسة رسمية تهدف إلى منع قيام دولة فلسطينية مستقلة وفرض وقائع لا يمكن التراجع عنها.

وفي القدس المحتلة، لم تتوقف الاعتداءات على المدينة المقدسة وعلى المسجد الأقصى المبارك، فقد تسارعت مشاريع التهويد، وتصاعدت اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال، وتكررت الاعتداءات على المصلين، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عبادتهم، مع محاولات متواصلة لفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، في انتهاك صارخ للوضع التاريخي والقانوني القائم، كما استمرت سياسة هدم المنازل وسحب الهويات وتوسيع المستوطنات في القدس بهدف تغيير هويتها العربية والإسلامية.

أما الضفة الغربية، فقد كانت تعيش قبل السابع من أكتوبر واحدة من أكثر مراحلها دموية منذ سنوات، ففي الأشهر التسعة الأولى من عام 2023 استشهد 243 فلسطينياً، بينهم 234 برصاص قوات الاحتلال و9 نتيجة اعتداءات المستوطنين، وشهدت مدن جنين ونابلس وطولكرم ومخيماتها اقتحامات عسكرية واسعة استخدمت فيها الطائرات المسيّرة والصواريخ لأول مرة منذ سنوات، بينما تصاعدت عمليات الإعدام الميداني والاعتقال الجماعي.

وفي الوقت نفسه، شهد الاستيطان قفزة غير مسبوقة، إذ صادقت الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفاً على آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، وشرعنت البؤر الاستيطانية العشوائية، في حين تحولت اعتداءات المستوطنين إلى سياسة منظمة تُنفذ تحت حماية الجيش، فكانت قرى مثل حوارة وترمسعيا شاهدة على إحراق المنازل والمركبات، واقتلاع أشجار الزيتون، والاعتداء على المزارعين والرعاة، وإجبار تجمعات بدوية ورعوية كاملة في الأغوار ومسافر يطا على الرحيل عن أراضيها، كما وثقت المنظمات الحقوقية عمليات هدم واسعة للمنازل والمنشآت الفلسطينية وتهجير آلاف المواطنين، بينهم مئات الأطفال، في إطار سياسة تهدف إلى تفريغ الأرض من أصحابها الأصليين.

ولم تكن غزة بعيدة عن هذا المشهد، فمنذ عام 2007 فرضت إسرائيل حصاراً خانقاً على أكثر من مليوني فلسطيني، استمر أكثر من سبعة عشر عاماً حتى العام 2023 ، حيث تحوّل القطاع إلى أكبر سجن مفتوح في العالم، وقيّدت حركة السكان، ومنع إعادة الإعمار ما دمر من الحروب وخنق الاقتصاد، وترك القطاع يعيش

أزمات متواصلة في الكهرباء والمياه والدواء والغذاء، وخلال تلك السنوات، شنت إسرائيل حروباً مدمرة على غزة في أعوام 2008 و2012 و2014 و2021، ثم عدوان 2022، إضافة إلى جولات قصف متكررة، أسفرت عن استشهاد آلاف الفلسطينيين، معظمهم من المدنيين، وتدمير أحياء كاملة وبنى تحتية ومستشفيات ومدارس ومرافق حيوية، من دون أن يتحرك العالم لوقف الحصار أو محاسبة الاحتلال على جرائمه.

ورغم كل هذه الوقائع، جاء السابع من أكتوبر ليُستخدم باعتباره نقطة البداية الوحيدة في السردية الإسرائيلية، بينما جرى تجاهل عقود من الاحتلال، والاستيطان، والحصار، والقتل، والاعتقال، وتهويد القدس، والاعتداءات المتكررة على المقدسات، والاقتحامات اليومية لمدن الضفة الغربية، وكأن كل ذلك لا قيمة له في تفسير ما حدث.

إن اختزال القضية الفلسطينية في السابع من أكتوبر ليس مجرد تزوير للتاريخ، بل هو محاولة لتبرئة الاحتلال من مسؤوليته عن الجريمة الأصلية، وهي استمرار احتلاله للأرض الفلسطينية وممارسته نظاماً قائماً على القمع والاستيطان والاقتلاع والفصل العنصري، فلا يمكن عزل النتائج عن أسبابها، ولا يمكن مطالبة شعب يعيش تحت الاحتلال والحصار والتهجير منذ عقود بأن يُحاسب على ردود الأفعال، بينما يُمنح المحتل حصانة كاملة من المساءلة.

لقد نجحت إسرائيل، ومعها جزء كبير من الإعلام الغربي وحلفائها، في فرض رواية تختزل القضية الفلسطينية كلها في السابع من أكتوبر، وكأن التاريخ بدأ في ذلك اليوم، وما سبقه من نكبة واحتلال واستيطان وتهجير وقتل وحصار وحروب متكررة على غزة واقتحامات للمسجد الأقصى لم يكن له وجود، وبهذا الاختزال جرى تبرير واحدة من أبشع جرائم الإبادة والتجويع والتدمير في العصر الحديث بحق الشعب الفلسطيني، وتحولت الضحية إلى متهم، والجلاد إلى من يدّعي الدفاع عن نفسه.

والأخطر من ذلك أن هذه الرواية لم يرددها أنصار الاحتلال وحدهم، بل انساق وراءها أيضاً من هم من العرب وحتى فلسطينيون، ومن بينهم قيادات فلسطينية وعربية، اختارت أن تتعامل مع السابع من أكتوبر باعتباره أصل الأزمة، متجاهلة أن أصل المأساة هو النكبة والاحتلال والاستيطان والحصار المستمر منذ أكثر من سبعة عقود، فحين يُمحى التاريخ ويُطمس سياق الجريمة، يصبح الاحتلال بريئاً، ويصبح الشعب الفلسطيني مطالباً بتقديم التبرير لوجوده ومقاومته، بينما يواصل المحتل جرائمه بلا مساءلة أو عقاب.

إن معركة الفلسطيني اليوم ليست معركة على الأرض وحدها، بل هي أيضاً معركة على الوعي والرواية والذاكرة، فمن يختزل القضية في السابع من أكتوبر، إنما يشارك، بقصد أو بغير قصد، في شطب النكبة، وإخفاء جرائم الاحتلال الممتدة منذ عام 1948، وتبرئة المشروع الصهيوني من مسؤوليته التاريخية، ومنح الشرعية لاستمرار الاستعمار والاحتلال، أما الحقيقة التي لن يستطيع أحد طمسها، فهي أن السابع من أكتوبر لم يكن بداية الحكاية، بل كان فصلاً من فصولها، وأن البداية الحقيقية كانت يوم اقتُلعت فلسطين من أهلها، وما دام الاحتلال قائماً، فإن جذور الصراع ستظل قائمة مهما حاول البعض تزوير التاريخ أو اختزال القضية في يوم واحد، فحين يُسرق التاريخ... تُبرَّر الإبادة.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن