من أكثر الظواهر إثارة للقلق اليوم ذلك الخطاب الذي يرفع شعار "سد الذرائع" حتى أصبح، في بعض الأوساط، مبرراً للصمت، أو لتجريم أي فعل دفاعي فلسطيني، يحمل الضحية مسؤولية ما تتعرض له، المشكلة ليست في الدعوة إلى الحكمة أو تجنب التصعيد بحد ذاتها، فذلك قد يكون مطروحاً للنقاش، وإنما في تحوّل هذا الخطاب إلى عدسة يُنظر من خلالها إلى كل ما يجري، بحيث يصبح الاحتلال فعلاً ثانوياً، بينما يُسلّط الضوء أولاً على سلوك الفلسطيني نفسه.
حيث وصلنا إلى مرحلة بات فيها الفلسطيني يبحث عن مخرج أخلاقي للمستوطن، في الوقت الذي لم يعد فيه كثير من قادة المشروع الاستيطاني يخفون أهدافهم المعلنة، فالاستيطان وفق ما يراه منتقدوه، ليس مجرد خلاف على حدود أو نزاع سياسي، بل مشروع يقوم على السيطرة على الأرض وتوسيعها، ترافقه اعتداءات موثقة تشمل مصادرة الأراضي، وإحراق الممتلكات، والاعتداء على المدنيين، واقتلاع الأشجار، في ظل حماية مؤسسات الدولة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية.
ومع ذلك، نجد من يحاول تفسير هذه الوقائع باعتبارها مجرد "رد فعل"، أو يجعل النقاش يبدأ بإدانة الفلسطيني قبل الحديث عن الاحتلال، وهنا يكمن الخلل؛ إذ يتحول ميزان النقاش من مساءلة القوة القائمة بالاحتلال إلى مساءلة المجتمع الواقع تحت الاحتلال.
الأخطر من السيطرة على الأرض هو السيطرة على اللغة والمفاهيم والوعي، فعندما تصبح رواية القوة المهيمنة هي الإطار الذي يحدد طريقة التفكير، يبدأ الناس بتكرار مفرداتها ومعاييرها دون أن يشعروا، وعندما يصبح إثبات الاعتدال مرهوناً بإدانة الذات أولاً، فإن النقاش يفقد توازنه، ويتراجع الحديث عن أصل المشكلة لصالح نقاش لا ينتهي حول ردود أفعال الضحية.
ويزداد هذا القلق عندما تصدر بيانات أو مقالات تدعو أهالي القرى الفلسطينية إلى الاكتفاء بالبقاء في بيوتهم عند تعرضهم لاعتداءات المستوطنين، أو تجعل حماية النفس موضع اتهام بدلاً من التركيز على وقف الاعتداءات نفسها، فمثل هذا الطرح، في نظر كثيرين، يعكس أزمة في الوعي أكثر مما يقدم حلاً عملياً، لأنه ينقل مركز المسؤولية من المعتدي إلى المعتدى عليه.
إن الدفاع عن الحقوق، ورفض الاعتداءات، والمطالبة بحماية المدنيين، لا يتعارض مع الدعوة إلى الالتزام بالقانون الدولي أو تجنب استهداف المدنيين، لكن الخلط بين إدانة الانتهاكات وبين تحميل الضحية مسؤولية ما يقع عليها يطمس الفارق الأخلاقي والقانوني بين من يمارس القوة ومن يتعرض لها.
المشكلة ليست فقط في أن الاحتلال استطاع أن يروّج لروايته أمام العالم، بل في أن بعض أبناء المنطقة باتوا يكررون مفرداتها، ويعتبرونها عنواناً للموضوعية والعقلانية، من دون مساءلة كافية لآثارها على فهم الواقع، وحين تصبح لغة القوة هي اللغة الوحيدة المقبولة، فإن معركة الوعي تكون قد دخلت مرحلة شديدة الخطورة، لأن استعادة الأرض تبدأ دائماً باستعادة القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها، والتمييز بين المعتدي والضحية، وبين تبرير الانتهاك والدفاع عن الحقوق.
في المحصلة فان لحظات التحولات الكبرى لا تسقط الشعوب فقط عندما تُهزم في الميدان، بل عندما تفقد بوصلتها الأخلاقية والسياسية، وتصبح عاجزة عن تسمية الظلم باسمه، فالوعي ليس ترفاً فكرياً، بل هو خط الدفاع الأول عن الحق والكرامة والوجود، وكل خطاب يُفرغ الإنسان من حقه في الدفاع عن نفسه، أو يطالبه بالصمت أمام العنف، لا يصنع سلاماً ولا يحمي حياة، بل يفتح الطريق أمام مزيد من التمادي والإفلات من العقاب، وما يحتاجه الفلسطيني اليوم ليس إعادة تعريف حقه وفق معايير يفرضها خصمه، بل استعادة ثقته بعدالة قضيته، والتمسك بحقه في الحياة والحرية والكرامة، لأن الشعوب التي تتخلى عن روايتها، سرعان ما تجد نفسها تتخلى عن مستقبلها أيضاً.
