21.62°القدس
21.37°رام الله
20.36°الخليل
26.98°غزة
21.62° القدس
رام الله21.37°
الخليل20.36°
غزة26.98°
الأحد 30 اغسطس 2026
4.03جنيه إسترليني
4.2دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.45يورو
2.98دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.03
دينار أردني4.2
جنيه مصري0.06
يورو3.45
دولار أمريكي2.98

رحيل محمد ذياب أبو صالح.. أديب فلسطيني جعل من الأدب والتاريخ ذاكرة للوطن

رحل الأديب والشاعر والمؤرخ الفلسطيني محمد ذياب أبو صالح، تاركًا وراءه مسيرة ثقافية امتدت لعقود، تداخل فيها الشعر بالأدب والتاريخ، وانشغل خلالها بصورة خاصة بالمكان الفلسطيني وذاكرته، وفي مقدمتها مدينة الخليل والقدس. ولم يكن أبو صالح مجرد كاتب يوثق الماضي، بل سعى إلى تحويل التاريخ والتراث إلى مادة حية للدفاع عن هوية المكان وإبقاء روايته حاضرة في الوعي الفلسطيني والعربي.

وتشير الفهارس الببليوغرافية إلى أن أبو صالح، المولود عام 1946، ترك عددًا من المؤلفات والبحوث، فيما يظهر اسمه ضمن أعضاء فرع الضفة الغربية في الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين. كما تكشف أعماله المنشورة عن اهتمام واسع بالتاريخ الإسلامي لفلسطين، والقدس، والخليل، إلى جانب حضوره في المجال الأدبي والشعري.

الخليل.. المدينة في قلب مشروعه

احتلت الخليل موقعًا محوريًا في مشروع محمد ذياب أبو صالح الثقافي. ومن أبرز مؤلفاته كتاب "الخليل عروبة إسلامية"، الذي تناول فيه تاريخ المدينة وهويتها، كما ارتبط اسمه ببحوث ودراسات حول تراث الخليل ومعالمها الدينية والتاريخية.

وفي إحدى مشاركاته الثقافية، كتب أبو صالح مادة بعنوان "مدينة الخليل العربية الإسلامية" في مجلة "مشارف مقدسية"، ضمن باب خصص للمعالم والذاكرة المقدسية.

كما صدر له كتاب بعنوان "ندوة مدينة الخليل عربية إسلامية عبر التاريخ: مدينة خليل الرحمن عبر العصور والاعتداءات الإسرائيلية"، وهو عمل يعكس بوضوح مركزية المدينة في اهتمامه البحثي، ومحاولته قراءة تاريخها ضمن سياقها العربي والإسلامي، في مواجهة السرديات التي تسعى إلى فصلها عن محيطها التاريخي.

ولم يقتصر اهتمامه بالخليل على التاريخ السياسي أو الديني، إذ شارك في أبحاث تناولت جوانب من التراث الشعبي للمدينة، من بينها دراسة حول "أثر المسجد الإبراهيمي الشريف في التراث الشعبي في الخليل".

وهكذا تحولت الخليل في كتاباته من مجرد موضوع تاريخي إلى فضاء تتقاطع فيه الجغرافيا بالدين والذاكرة الشعبية والهوية، وهي عناصر جعل منها أبو صالح مادة للبحث والتوثيق.

القدس.. التاريخ في مواجهة الطمس

امتد اهتمام أبو صالح إلى القدس، التي حضرت في عدد من كتاباته وأبحاثه، خصوصًا ما يتعلق بتاريخها العربي والإسلامي ومعالمها.

ومن الأعمال المنسوبة إليه كتاب "بيت المقدس وكنوز المسجد الأقصى"، الذي جرى اختياره ضمن الكتب التي حظيت بالتقدير في مهرجان ثقافي مقدسي، إلى جانب أعمال أخرى تناولت تاريخ المدينة ومكانتها.

وفي مجلة "الإسراء"، نشر أبو صالح بحثًا بعنوان "أعمال صلاح الدين في القدس بعد تحريرها من الصليبيين"، وهو عنوان يكشف جانبًا من اهتمامه بالتاريخ الإسلامي للمدينة وشخصياته وأحداثه الكبرى.

كما تناول في أبحاثه قضية الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين والقدس، ومن بينها بحثه حول "وعد بلفور وإسقاطاته على الاستيطان اليهودي في القدس"، الذي ناقش فيه الاستيطان باعتباره أحد أبرز مظاهر الصراع على هوية المدينة ومكانها التاريخي.

وتكشف هذه الأعمال أن القدس لم تكن بالنسبة إليه موضوعًا تاريخيًا محايدًا، وإنما جزءًا من معركة أوسع على الذاكرة والرواية والهوية.

بين المؤرخ والشاعر

إلى جانب الكتابة التاريخية، كان أبو صالح حاضرًا في المجال الأدبي والشعري. وتظهر أعماله المنشورة في دوريات ثقافية ودينية فلسطينية وأردنية، بما في ذلك نصوص شعرية وكتابات أدبية.

ففي أحد أعداد مجلة "الإسراء" نشر قصيدة بعنوان "فضل المعلم"، كما نشرت له المجلة في أعداد أخرى نصوص أدبية مثل "في رحلة الإسراء والمعراج" و"نفحات حاج".

وهذا الحضور المزدوج بين الشعر والبحث التاريخي يفسر جانبًا من خصوصية تجربته؛ فقد جمع بين لغة الأدب التي تستحضر الوجدان، ولغة المؤرخ التي تبحث عن الوثيقة والشاهد والمعلومة.

وبذلك لم تكن علاقته بالتاريخ منفصلة عن الأدب، ولا الأدب بعيدًا عن المكان. فالمدينة، بما تحمله من ذاكرة دينية واجتماعية ووطنية، كانت مادة مشتركة في تجربته الإبداعية والبحثية.

الكتابة بوصفها مقاومة للنسيان

يمكن قراءة جزء كبير من مشروع أبو صالح باعتباره محاولة لمواجهة النسيان. ففي كتاباته عن الخليل والقدس، يعود إلى التاريخ العربي والإسلامي للمدينتين، ويتوقف عند المعالم والشخصيات والأحداث، فيما ينفتح في دراساته الأخرى على التراث الشعبي والذاكرة المحلية.

وهذا النوع من العمل يكتسب أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية؛ لأن الصراع على الأرض يتداخل باستمرار مع صراع على الرواية والتاريخ والذاكرة.

ومن هنا، تبدو قيمة أعمال أبو صالح في أنها لم تتعامل مع التاريخ باعتباره مادة للماضي فقط، وإنما بوصفه جزءًا من سؤال الحاضر: من يملك رواية المكان؟ وكيف يمكن حفظ تفاصيله؟ وكيف تنتقل ذاكرته من جيل إلى آخر؟

جائزة أردنية وتقدير لمسيرته

وفي عام 2018، حصل محمد ذياب أبو صالح على "جائزة الملك عبد الله الثاني للإبداع" في حقل الآداب والفنون، وهو تكريم يعكس حضور تجربته خارج فلسطين أيضًا.

غير أن حصوله على الجائزة لم يخلُ من مفارقة مرتبطة بواقع الاحتلال؛ إذ أفادت تقارير فلسطينية بأن سلطات الاحتلال الإسرائيلي احتجزت الجائزة لدى عودته من الأردن، ومنعته من إدخالها عبر معبر الكرامة بحجة إخضاعها للإجراءات الجمركية.

وبعيدًا عن تفاصيل الواقعة، تكشف هذه الحادثة جانبًا رمزيًا من مسيرته: فحتى تكريم نتاجه الأدبي والثقافي وجد نفسه مرتبطًا بالواقع السياسي الذي عاشه الفلسطينيون لعقود.

إرث يتجاوز الكتب

لا يمكن اختزال إرث محمد ذياب أبو صالح في قائمة من العناوين أو عدد من البحوث. فجزء أساسي من قيمته يكمن في اختياره موضوعات ترتبط بالمكان الفلسطيني وذاكرته، وفي مقدمتها الخليل والقدس.

لقد كتب عن المدينة باعتبارها تاريخًا وهوية، وعن المسجد باعتباره جزءًا من الذاكرة، وعن التراث باعتباره شاهدًا على استمرارية المجتمع، وعن الأحداث التاريخية باعتبارها مفاتيح لفهم الحاضر.

كما أن حضوره ضمن المشهد الثقافي الفلسطيني، وكتاباته في الدوريات، ومشاركته في الدراسات والندوات، جعلت تجربته جزءًا من جهد أوسع بذله الكتاب والباحثون الفلسطينيون في توثيق تاريخ بلادهم والحفاظ على سرديتها.

وفي هذا المعنى، فإن إرث أبو صالح لا يقف عند ما كتبه فقط، بل يمتد إلى الفكرة التي حكمت جانبًا كبيرًا من مشروعه: أن حفظ الذاكرة فعل ثقافي، وأن الكتابة عن فلسطين ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما مساهمة في حماية هوية المكان من الطمس والنسيان.

وبين الشاعر والمؤرخ والباحث، ترك محمد ذياب أبو صالح مسارًا ثقافيًا تتجاور فيه القصيدة مع الوثيقة، والتاريخ مع الذاكرة، والخليل مع القدس، لتبقى أعماله جزءًا من المكتبة التي حاول أصحابها أن يحفظوا لفلسطين أسماء مدنها ومعالمها وحكاياتها، وأن ينقلوا هذه الذاكرة إلى أجيال لم تعش كثيرًا من فصولها، لكنها تواصل حملها.

المصدر: فلسطين الآن