ترصد المحافل الاسرائيلية طبيعة المواقف الاقليمية من الحرب الدائرة على إيران، ومنها السلوك الأردني المتخوف من الهيمنة الإسرائيلية، لأنه رغم نفوره من إيران، والتزامه بالتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، لكن في نظر العديد من الأردنيين، من المرجح أن تُشكّل أي نتيجة لصالح دولة الاحتلال في هذه الحرب، مزيدا من الغطرسة غير المقيدة، تغييرا في وجه الشرق الأوسط دون مراعاة لجارتها الشرقية.
وذكر الباحث بمعهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، أوفير فينتر، أن "الملك عبد الله الثاني أول من صاغ مصطلح "الهلال الشيعي" عام 2004 للتحذير من انتشار نفوذ إيران في الشرق الأوسط، ومع اندلاع الحرب الحالية، وجد الأردن نفسه في مرمى نيرانها، فسقط عدد من القتلى، وتم اعتراض صواريخ داخل حدوده، وأضرار في الممتلكات، وبينما تم في مواجهات سابقة اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية فوق الأردن، فقد استهدفت الهجمات هذه المرة أراضيه مباشرة، ونُفذت بمشاركة ميليشيات موالية لإيران تعمل انطلاقاً من العراق".
وأضاف فينتر في مقال نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، أنه "من بين الأهداف التي استُهدفت قاعدتا الرشد وموفق السلطي الجويتان شمال الأردن، حيث تتمركز طائرات عسكرية أمريكية بموجب اتفاقية التعاون الأمني الموقعة المشتركة عام 2021، فقد أفاد الأردن بإحباطها هجوماً إلكترونياً إيرانياً يهدف للإضرار باحتياطيات القمح الاستراتيجية في المملكة عن طريق تعطيل درجات حرارة التخزين، ووصف الإعلام الأردني الحادث بشدة بأنه "محاولة لتقويض الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في البلاد".
وأوضح الباحث، أنه "رغم الخطوات العدائية التي اتخذتها طهران، فقد ظل موقف عمّان متردداً، حيث أدانت الهجمات الإيرانية ضدها وضد دول الخليج العربي، وأعربت عن احتجاجها للقائم بالأعمال المؤقت في السفارة الإيرانية فيها؛ وفي الوقت نفسه، أكدت أنها ليست طرفاً في النزاع، وامتنعت عن الدعوة لإسقاط النظام الإيراني، وفي المحادثات التي أجراها الملك عبد الله مع قادة العالم، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، شدد على ضرورة الحوار والدبلوماسية لوقف التصعيد، وحل الأزمة، وتحقيق الهدوء".
وأشار فينتر إلى أن "الاعتبارات التي دفعت الأردن لاتخاذ موقف متحفظ، تتمثل أولاً في الرأي العام المحلي، فمنذ بداية العملية، يواجه النظام حملة على وسائل التواصل الاجتماعي تتهمه بالتعاون مع العدوان الإسرائيلي الأمريكي، ورداً على ذلك، يحرص الأردن على التأكيد على أن اعتراض الصواريخ الإيرانية يهدف لحماية سيادته وأمن مواطنيه، وليس لخدمة مصالح خارجية".
وبين أن "هذا الموقف الرسمي للأردن يتوافق مع الرأي العام، فبحسب استطلاع رأي أُجري في سبتمبر، يرى 76.2% من الأردنيين أن إسرائيل هي التهديد الرئيسي لهم، بينما يرى 9% فقط أن إيران هي التهديد، وتُوضح هذه الفجوة التباين بين نظرتي القصر والشارع للتهديدات، وصعوبة تضييق الفجوة بينهما".
وأكد فينتر أن "الاعتبار الثاني لتفسير موقف الأردن يتعلق بأضرار الحرب، حيث يخشى من هجمات إيرانية على أهداف داخله، ومن حرب طويلة الأمد تُقوّض الاستقرار الإقليمي والعالمي، وكلما طالت الحرب، زادت مخاطر إلحاق ضرر عميق ودائم باقتصاده، فتعطيل تدفق الغاز من إسرائيل، المسؤول عن معظم الكهرباء المُنتجة فيه، يستلزم البحث عن بدائل أكثر تكلفة؛ وارتفاع أسعار النفط والوقود سيزيد التضخم والفقر؛ وتضرر السياحة، الذي بدأ يتعافى من آثار حرب غزة، سيُلحق ضررًا بالغًا بمصدر للتوظيف وعائدات النقد الأجنبي".
وأضاف أن "الاعتبار الثالث يتمثل في الشكوك واسعة النطاق في الأردن بشأن قدرة الحرب على تحقيق هدفها الرئيسي، وهو تهيئة الظروف اللازمة لتغيير النظام في إيران، ويرى معلقون أردنيون أن المؤسسة السياسية في إيران مصممة على النضال من أجل استمرار حكمها، مستندةً لقاعدة دعم أيديولوجية دينية متماسكة وموالية، في حين لم تقدم الولايات المتحدة وإسرائيل بعد خطة عمل فعّالة لإسقاط النظام، وفي ظل هذه الظروف، قد يُصنَّف اتخاذ موقف أردني صريح ضد إيران بأنه مقامرة محفوفة بالمخاطر".
وأكد أنه "حتى في سيناريو الإطاحة بالنظام في إيران، لا ترى الأردن أفقًا لنظام جديد وآمن فيها، بل ترى احتمال الانزلاق للفوضى والحرب الأهلية، والصراعات على النفوذ، وهي سيناريوهات ستزيد من عدم الاستقرار في المنطقة".
ومضى قائلا، إن "الاعتبار الرابع يرتبط بالتخوف الأردني من أطماع الهيمنة الإسرائيلية، بما فيها ضمّ أجزاء من الضفة الغربية، وتشجيع تهجير الفلسطينيين، وتقويض الوضع الراهن في القدس المحتلة، وكل هذه المخاوف تشكل تهديدًا خطيرًا، بل وجوديًا، للمملكة، ولذلك، يُنظر إلى انتصار إسرائيلي على إيران على أنه تحويل لخطر إلى آخر، وليس إرساء للهدوء المنشود".
وختم بالقول أن "واقع الحرب متغيّر، يوما بعد يوم، فالهجمات الإيرانية على الأردن يدفعه لإعادة النظر في موقفه المحايد، وإذا تبيّن أن النظام في طهران قد تعرّض لتقويض جوهري، وأن هناك إمكانية واقعية لاستبداله دون الانزلاق لفوضى إقليمية، فقد تتغير حسابات الأردن أيضًا".
تشير هذه القراءة الاسرائيلية أنه بعد عقدين من صياغة مصطلح "الهلال الشيعي"، يواجه الأردن سؤالًا جديدًا لا يتعلق بكيفية وقف انتشاره، بل في طبيعة النظام الإقليمي الذي سينشأ مكانه، وهل سيكون أكثر استقرارًا وأمانًا للمملكة، أم أكثر خطرا.
